تشهد جمهورية تشيلي تحولاً جذرياً في فلسفة سياستها الخارجية، حيث يتجه الرئيس المنتخب خوسيه أنطونيو كاست إلى إعادة صياغة علاقات بلاده مع "إسرائيل" بعد سنوات من الفتور والتوتر التي طبعت عهد سلفه غابرييل بوريك.
وتأتي هذه الانعطافة عبر قرار مرتقب بتعيين المحامي الجنائي البارز غابرييل زالياسنيك، الذي سبق له رئاسة الجالية اليهودية في تشيلي، سفيراً لسانتياغو لدى سلطات الاحتلال.
ويرى مراقبون أن هذا الاختيار يمثل رسالة سياسية واضحة تهدف إلى طي صفحة الماضي واستعادة التعاون الاستراتيجي في مجالات حيوية تشمل الأمن السيبراني، وتكنولوجيا الدفاع، والاقتصاد الرقمي، مما يضع تشيلي في قلب محور إقليمي جديد داخل القارة اللاتينية.
وقد أثار هذا التوجه موجة عارمة من الاعتراضات العلنية من قبل الجالية الفلسطينية في تشيلي، وهي الجالية الأكبر خارج العالم العربي، حيث اعتبرت في بيان رسمي أن تعيين شخصية ذات انحيازات سياسية معلنة يمثل تضارباً صارخاً في المصالح.
وشددت الجالية على أن زالياسنيك، بسجله الحافل بالمواقف المؤيدة للاستيطان، لا يمتلك الأهلية الأخلاقية أو القانونية لتمثيل مصالح تشيلي الحصرية، خاصة في ظل وجود نصف مليون تشيلي من أصول فلسطينية (التشيلستيون) الذين يخشون من تسييس التمثيل الدبلوماسي لصالح رواية الاحتلال على حساب حقوقهم التاريخية ومصالح دولتهم الأم.
وفي المقابل، يبدو أن إدارة كاست المقبلة تمتلك تفويضاً سياسياً قوياً بعد فوزه في جولة الإعادة بنسبة 58%، مما يمنحه الضوء الأخضر للمضي قدماً في سياسة "إعادة التطبيع".
ويتزامن هذا الحراك الدبلوماسي مع زيارة تاريخية مرتقبة لوزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر للمشاركة في مراسم تنصيب كاست في 11 مارس الحالي، وهي الزيارة الأولى لمسؤول بهذا المستوى منذ عام 1994.
وتعكس هذه التحركات رغبة تل أبيب في استغلال صعود اليمين في أمريكا اللاتينية لاستعادة نفوذها الدبلوماسي الذي تراجع خلال موجة "المد الوردي" اليسارية التي اجتاحت القارة مؤخراً.
معركة التمثيل الدبلوماسي
تتمحور جوهر الأزمة الحالية حول وظيفة السفير كمعبّر عن "دولة" لا عن "قناعة سياسية" شخصية، وهو ما تراه الجالية الفلسطينية مفقوداً في ترشيح زالياسنيك.
ويركز المعترضون على أن السفير المقترح يمتلك كتابات وتصريحات عامة تتبنى الرواية الإسرائيلية بشكل مطلق، مما قد يقوض قدرته على حماية حقوق التشيليين الفلسطينيين الذين يتعرضون لمضايقات عند زيارة الأراضي المحتلة.
إن هذا الاستقطاب الحاد ينذر بأن ملف العلاقات مع تل أبيب لن يكون مجرد إجراء بروتوكولي، بل سيتحول إلى ساحة اشتباك دستوري وسياسي داخل البرلمان التشيلي، حيث تمتلك المعارضة اليسارية أدوات قوية لعرقلة هذا المسار.
ويرى المحللون أن كاست يسعى عبر هذه الخطوة إلى تمييز عهده بشكل كامل عن إرث غابرييل بوريك، الذي اتسمت سنوات حكمه بتوترات متصاعدة شملت رفض تسلم أوراق اعتماد السفير الإسرائيلي سابقاً واستدعاء السفير التشيلي للتشاور.
بالنسبة لإدارة كاست، فإن استعادة قنوات التواصل التاريخية هي ضرورة اقتصادية وتكنولوجية لتحديث البنية العسكرية والأمنية التشيلية، حيث تعتبر إسرائيل مورداً رئيساً لأنظمة المراقبة والأسلحة المتطورة.
هذا التوجه البراغماتي يصطدم بالواقع الديموغرافي لتشيلي، حيث يشكل "التشيلستيون" كتلة انتخابية واقتصادية وازنة لا يمكن تجاوزها بسهولة في معادلة الحكم.
علاوة على ذلك، فإن تسمية زالياسنيك تُفهم في الدوائر الدبلوماسية كنوع من "الدبلوماسية الهجومية" التي تهدف إلى وضع حد للمواقف التقليدية لوزارة الخارجية التشيلية التي كانت تميل تاريخياً لدعم حل الدولتين وإدانة الاستيطان.
إن محاولة "تطبيع" الخطاب الرسمي تجاه الاحتلال قد تضع سانتياغو في مواجهة مع المنظمات الدولية وحلفائها التقليديين في الجنوب العالمي، مما يثير تساؤلات حول الكلفة السياسية التي سيتعين على كاست دفعها مقابل هذا التحالف الجديد، خاصة في ظل استمرار الحرب في الشرق الأوسط وتصاعد الضغوط الحقوقية الدولية ضد ممارسات الاحتلال.
يظل الرهان في تشيلي لعام 2026 على قدرة المؤسسات الديمقراطية على موازنة طموحات الرئيس الجديد مع الثوابت الوطنية وحقوق الجاليات الكبرى.
إن التوجه نحو "تطبيع" العلاقات مع إسرائيل عبر شخصية جدلية كزالياسنيك هو اختبار حقيقي لمدى استقلالية السياسة الخارجية التشيلية عن الضغوط الأيديولوجية.
وإذا لم يتم التوصل إلى صيغة توافقية تحترم تطلعات نصف مليون فلسطيني، فإن الساحة التشيلية مرشحة لمزيد من الاضطرابات السياسية التي قد تجعل من ملف الخارجية عبئاً على حكومة كاست بدلاً من أن يكون جسراً لتعزيز مكانة البلاد الدولية.










