يبدو أن نتنياهو يُدير مسرحية استراتيجية معقدة، لكنها في جوهرها تتبع نمطاً تاريخياً مألوفاً. فقد نجح في تجميد ملف غزة، ليس لأنه عاجز عن حسمه عسكرياً، بل لأن التجميد يخدم حساباته المتعددة.
فهو يُبقي القطاع رهينةً دائمةً تُبرر العمليات المتكررة، ويُفريغ القضية الفلسطينية من محتواها السيادي عبر ما يُسمى بمجلس السلام، ويُمهد لتطبيع عربي مُسبق لا ينتظر حلاً نهائياً. لكن الأهم، أن هذا التجميد يُتيح له ربط الملف بالتصعيد الإقليمي ضد إيران، مستغلاً غرور ترامب ورغبته في صفقات سريعة.
الخدعة: توريط ترامب
هنا يكمن الجزء الأخطر من المسرحية. فاغتيال المرشد الأعلى الإيراني لم يكن هدفاً تكتيكياً محضاً، بل كان فخاً متدرجاً لجرّ إدارة ترامب إلى حرب طويلة المدى لا يريدها.
نتنياهو يدرك أن ترامب يبحث عن انتصارات إعلامية سريعة، لذا يُقدم له سيناريو لا يمكن التراجع عنه: رد إيراني مُهين يُغلق باب التفاوض، ويُجبر واشنطن على الانزلاق نحو مواجهة شاملة. الهدف النهائي هو تحويل إسرائيل إلى حليف لا غنى عنه للولايات المتحدة، تُبرر له الحصانة من المحاكمات الداخلية والاستمرار في الحكم.
المفارقة: العقلية المقاومة
لكن نتنياهو، كما يبدو، يُغالي في فهم منطق الدولة ويُهمل منطق المقاومة. فالتجميد الذي يظنه فرصة لإعادة الترتيب، تستغله المقاومة لإعادة بناء شبكاتها وعلاقاتها مع بيئتها المحيطة.
والوقت الذي يعتبره لصالحه، تستثمره في انتظار المتغيرات المحتملة، خاصة إذا توسعت الحرب مع إيران. المقاومة هنا لا تلعب بقواعد الشطرنج التي يفهمها نتنياهو، بل بقواعد الشبكة المرنة التي تتكيف مع أي تغيير وتعيد وضع خططها للانطلاق.
المنطق التاريخي: العلو والهبوط
هنا نصل إلى لبن التحليل. فنتنياهو، بغروره التاريخي، يسير على درب من سبقوه من ذوي العقلية الاستعلائية. يظن أنه يصنع التاريخ، لكنه في الحقيقة أسير منطقه الذاتي. فالعلو الذي بلغه عبر الادعاء بإنجازات غير مسبوقة، يحمل في طياته هبوطاً حتمياً.
هذا ليس تنبؤاً عاطفياً، بل استنتاج منطقي من قراءة التاريخ: كل نظام يُؤمن أن القوة تُلغي السياسة، يسقط بفعل السياسة التي تعود كقوة مقاومة.
أسس الانهيار
ما فعله نتنياهو، دون أن يدرك، هو وضع أسس الانهيار الداخلي. فكل إنجاز عسكري زائف يُعمق الانقسامات الداخلية، وكل محاولة لقمع الصوت المعارض تُتراكم الغضب تحت السطح، وكل استنزاف للشرعية الدولية يُضيق هامش المناورة.
إسرائيل اليوم ليست الدولة التي تأسست على وعد جمع الشتات، بل هي كيان يعيش صراعاً مريراً على هويته: بين العلمانية والدينية، بين الديمقراطية واليهودية، بين الأشكناز والمزراحيم. هذا الصراع على الممالك الداخلية، يتخلله آلام حقيقية، لأن التغيير التاريخي يعني موت القديم وولادة جديدة لم تتبلور بعد.
الختام: الأسير والقانون
نتنياهو، إذن، لن يهزم التاريخ، بل هو أسيره. يظن أنه يُحرك الأحداث، لكنه في الحقيقة يُسرع من جذب التاريخ نحو الهبوط الحتمي. منطق العلو يتبعه هبوط، وهذا قانون لا يتجاوزه إلا من تعلم من التاريخ. ونتنياهو، بغروره، منع نفسه من التعلم.
الهبوط هنا ليس سقوطاً حراً سريعاً، بل عملية ممتدة تتخللها صراعات مؤلمة على الهوية والشرعية والسلطة. فالتاريخ لا يتقدم بسلام، بل بصراعات تولد من رحمها ولادات جديدة. وما يبدو كانهيار، قد يكون بداية لترتيب إقليمي مختلف تماماً، لا يُقاس بمنطق القوة الذي آمن به نتنياهو، بل بمنطق الصمود والتكيف الذي تتقنه المقاومة.
التاريخ تجاوز نتنياهو هناك تحول في المنطقة بغير ما يرغب به نتنياهو وترامب السيطرة على الشرق الأوسط جيوسياسيا بعد القضاء على ايران كنظام جمعة ي اسلامي يرفض الاستعمار، الخطة القادمة تركيا أخطأت الحسابات في اعتبار الغرب صديقا لها.
إيران قد تنجح في فرض ييئة استراتيجية آمنة في ممالك الخليج المستعمرة بتدمير القواعد المتقدمة للمستعمر والاحتلال الإسرائيلي.










