4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

رامي أبو زبيدة يكتب: لماذا تستهدف إيران الخليج؟ قراءة في جغرافيا الحرب لا في عناوينها السياسية

في الحروب الحديثة لا تُستهدف الدول فقط، بل تُستهدف منظومات التشغيل التي تدير الحرب

بقلم: د. رامي أبو زبيدة
٤ مارس ٢٠٢٦
4 دقائق قراءة
17 مشاهدة
إيران تستهدف الخليج

إيران تستهدف الخليج

منذ بداية التصعيد العسكري الأخير، برز سؤال يتكرر في التحليلات السياسية والإعلامية: لماذا توجه إيران جزءًا كبيرًا من ضرباتها نحو دول الخليج رغم أن المواجهة المعلنة تدور مع الولايات المتحدة وإسرائيل؟.
هذا السؤال يبدو منطقيًا ظاهريًا، لكنه يفترض قراءة سياسية للصراع، بينما ما يجري في الواقع هو صراع تحكمه الجغرافيا العسكرية وشبكات القوة العملياتية.

في الحروب الحديثة لا تُستهدف الدول فقط، بل تُستهدف منظومات التشغيل التي تدير الحرب، ومن هذه الزاوية تحديدًا يصبح الخليج مركزًا ثقلًا عسكريًا أمريكيًا قبل أن يكون مجرد فضاء جغرافي عربي أو ساحة جانبية للصراع.

فالانتشار العسكري الأمريكي في الخليج والشرق الأوسط يشكل العمود الفقري للقدرة العملياتية الأمريكية في المنطقة. قاعدة العديد في قطر تُعد مركز القيادة المتقدم للقيادة المركزية الأمريكية، ومنها تُدار العمليات الجوية عبر مساحات تمتد من شرق المتوسط حتى آسيا الوسطى. وفي الإمارات تمثل قاعدة الظفرة مركزًا رئيسيًا للطيران الاستطلاعي والهجومي، بينما يحتضن البحرين مقر الأسطول الخامس المسؤول عن تأمين الخليج والبحر الأحمر والممرات البحرية الحيوية. أما في السعودية والكويت والأردن والعراق، فتنتشر قواعد ومنشآت دعم لوجستي ودفاع جوي وإنذار مبكر تشكل شبكة متكاملة لإدارة العمليات العسكرية.

هذه القواعد لا تؤدي وظيفة دفاعية محلية فحسب، بل توفر منظومة تشغيل كاملة: إدارة الضربات الجوية، إعادة التزود بالوقود، جمع المعلومات الاستخبارية، تشغيل الدفاعات الصاروخية، وحماية خطوط الملاحة والطاقة العالمية. وضمن هذه المنظومة، يتقاطع الدعم العسكري الأمريكي مع منظومات الدفاع الإقليمي التي تستفيد منها إسرائيل بصورة مباشرة أو غير مباشرة، سواء عبر الإنذار المبكر أو التنسيق العملياتي.

من هنا يمكن فهم السلوك الإيراني باعتباره استهدافًا لـ"بيئة الحرب" وليس للدول ذاتها، فإيران تدرك أن مواجهة إسرائيل وحدها لا تغيّر ميزان القوى ما دامت البنية العسكرية الأمريكية تعمل بكامل طاقتها من الخليج. لذلك تحاول نقل الضغط إلى الحلقة التي تمنح واشنطن القدرة على الاستمرار في العمليات العسكرية.

كما أن استهداف الخليج يحمل بعدًا اقتصاديًا لا يقل أهمية عن البعد العسكري، فاقتصادات المنطقة ترتبط مباشرة بأسواق الطاقة العالمية، وأي تهديد للمطارات أو الموانئ أو منشآت النفط ينعكس فورًا على الأسواق الدولية، ما يخلق ضغطًا سياسيًا سريعًا على صانع القرار الأمريكي يفوق أحيانًا تأثير الضربات العسكرية المباشرة.

في هذا السياق، تبدو الاستراتيجية الإيرانية أقرب إلى حرب استنزاف متعددة الجبهات، تقوم على توزيع الضربات لرفع كلفة الدفاع وإطالة أمد المواجهة، بدل السعي إلى ضربة حاسمة واحدة. الهدف ليس تحقيق انتصار عسكري فوري، بل تحويل استمرار الحرب نفسها إلى عبء سياسي واقتصادي على واشنطن وحلفائها.

وعليه، فإن قراءة استهداف الخليج بوصفه توسعًا عشوائيًا للصراع تُغفل حقيقة أساسية: الخليج اليوم هو مركز تشغيل القوة العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط، وأي محاولة لتعطيل هذه القوة تمر حتمًا عبر هذه الجغرافيا.

أن ما نشهده ليس تغييرًا في هوية الخصم، بل تغييرًا في طبيعة الأهداف. فالحرب لم تعد تُخاض فقط ضد الجيوش، بل ضد الشبكات التي تجعل الحرب ممكنة أصلًا. وفي هذا الإطار يصبح الخليج، بحكم موقعه ودوره العسكري، جزءًا مباشرًا من معادلة الصراع مهما حاولت السياسة تقديمه كمساحة محايدة.

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

د. رامي أبو زبيدة

رامي أبو زبيدة هو باحث ومحلل فلسطيني مختص في الشؤون العسكرية والأمنية، ويُعد من الوجوه البارزة في تحليل الصراعات الميدانية والتكتيكات العسكرية في المنطقة.

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

رامي أبو زبيدة يكتب: لماذا تستهدف إيران الخليج؟ قراءة في جغرافيا الحرب لا في عناوينها السياسية - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°