حين تشتدّ المواجهات بين القوى الكبرى في الشرق الأوسط، يبرز سؤال يتردّد كثيراً في النقاشات السياسية والأمنية: هل يمكن أن يمتدّ الصراع إلى خارج ساحاته المباشرة ليطال السفارات أو المصالح التابعة للدول المتحاربة في أنحاء العالم؟ الاحتمال موجود تاريخياً في مثل هذه الحروب، لكنّه ليس السيناريو الأكثر ترجيحاً على نطاق عالمي واسع. لفهم الأمر بدقّة يجب النظر إلى طبيعة الحروب بين الدول الكبرى أو الإقليمية، حيث تحاول هذه الدول غالباً إبقاء المواجهة ضمن حدود يمكن التحكّم بها.
في العادة تسعى القوى المتصارعة إلى حصر الاشتباك جغرافياً قدر الإمكان. فالولايات المتحدة وإسرائيل وإيران تدرك أنّ توسيع الصراع ليشمل استهداف السفارات أو المصالح الدبلوماسية في مختلف دول العالم قد يفتح باب فوضى دولية واسعة وربما يقود إلى حرب أكبر لا يمكن ضبط مسارها. فالسفارات ليست مجرد مبانٍ عادية، بل تمثّل قانونياً أراضي دبلوماسية محمية بموجب اتفاقيات دولية صارمة، وأي اعتداء عليها قد يفرض ردوداً دولية قاسية ويجرّ أطرافاً جديدة إلى الصراع.
ومع ذلك، يبقى احتمال ما يُعرف بالحرب غير المباشرة أو الصراع عبر الوكلاء قائماً. في هذا النوع من المواجهات لا تتجه الدول إلى ضرب بعضها مباشرة في كل مكان، بل تستخدم أدوات أخرى أقلّ اتساعاً وأكثر قابلية للسيطرة. وقد يظهر ذلك عبر استهداف قواعد عسكرية في مناطق التوتر، أو عبر عمليات محدودة ضد مصالح اقتصادية أو عسكرية، أو عبر توتر أمني حول بعض السفارات في دول تعيش أصلاً ظروفاً غير مستقرة. لذلك نرى غالباً، عند تصاعد الأزمات، إجراءات أمنية مشددة حول البعثات الدبلوماسية، وإغلاق بعض السفارات مؤقتاً، إضافة إلى تحذيرات سفر لرعايا الدول المعنية.
لكن السيناريو الأكثر حساسية لا يرتبط بالسفارات بقدر ما يرتبط باحتمال توسّع الحرب إلى ساحات إقليمية أخرى. فالتجارب السابقة في المنطقة تُظهر أن الحروب الكبرى نادراً ما تبقى محصورة في جبهة واحدة، بل تميل إلى الامتداد نحو مناطق ترتبط بها سياسياً وعسكرياً. وفي حال اتسعت المواجهة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، فإنّ ثلاث مناطق تبدو الأكثر عرضة للاشتعال السريع.
الساحة الأولى هي لبنان. فهذه الجبهة تبقى دائماً على تماس مباشر مع إسرائيل، كما أنّ وجود حزب الله بما يملكه من قدرات عسكرية وصاروخية كبيرة يجعل أي تصعيد قابلاً للتحول بسرعة إلى مواجهة واسعة. ولهذا يرى كثير من المحللين أنّ الجبهة اللبنانية قد تصبح إحدى أخطر ساحات الصراع إذا خرجت الحرب من حدودها الحالية، لأن انفجارها قد يفتح الباب أمام مواجهة إقليمية تتجاوز لبنان نفسه.
والمصالح الإيرانية مع القواعد العسكرية الأمريكية ومع مصالح دول الخليج الحليفة لواشنطن. وأي اضطراب كبير في هذه المنطقة لا يبقى مجرد حدث عسكري، بل يتحول فوراً إلى أزمة اقتصادية عالمية تؤثر على أسعار الطاقة وعلى استقرار الأسواق الدولية.
الساحة الثالثة هي العراق وسوريا، حيث تتداخل خطوط النفوذ الإقليمية والدولية بشكل معقّد. في هاتين الساحتين غالباً ما تظهر ما يمكن تسميته بحروب الظل، حيث تتبادل الأطراف الرسائل العسكرية عبر ضربات محدودة أو عمليات أمنية من دون الوصول إلى مواجهة مباشرة بين القوى الكبرى. لذلك تبقى هاتان الدولتان من أكثر المناطق عرضة للتوتر إذا تصاعدت الحرب.
الخلاصة أنّ توسّع الصراع ليشمل السفارات في أنحاء العالم يبقى احتمالاً محدوداً، لأن كلفته السياسية والدبلوماسية مرتفعة للغاية. أما الخطر الحقيقي فيكمن في انتقال الحرب من جبهة إلى أخرى داخل المنطقة نفسها. وفي حال حدث ذلك، فإنّ لبنان والخليج والعراق وسوريا قد تتحول بسرعة إلى ساحات رئيسية لهذا التصعيد، بما يحمله ذلك من تداعيات عسكرية واقتصادية وسياسية على الشرق الأوسط والعالم










