الغضبٌ الملحمي.. انتحارٌ استراتيجي: ما بين مقامرة القوة والغضبٌ الملحمي.. انتحارٌ استراتيجي.. وهنا يقول أوتو فون بسمارك: "من يشعل نار الحرب قد لا يملك القدرة على إطفائها". ويراها كارل فون كلاوزفيتز "الحروب تبدأ عندما تعتقد الأطراف أنها سريعة وسهلة". والتاريخ لا يرحم الذين يفتقرون إلى الخيال السياسي، والذين يظنون أن القوة الصلبة يمكن أن تعوض غياب الحكمة، وحديثًا كثيراً ما تتحول القرارات العسكرية إلى لحظات فاصلة تعيد رسم مصير القادة والدول على حد سواء.
حبارير الخطاب السياسي: لقد أدخل (أرعناً) ماسونياً المنطقة في نفق مظلم وسط تكاثر حبارير الخطاب السياسي، مع انطلاق شرارة ما سُمي بـ "عملية الغضب الملحمي"، بواحدة من أكثر القرارات إثارة للجدل في مسيرته السياسية التي ستُنهيه سياسيًا، بمغامرة عسكرية أقرب من كونها استعراضاً "صفقاتياً" للقوة، فاستحالت مستنقعاً استراتيجياً كشف عورات "الكليبتوقراطية" السياسية، وسرعان ما تحولت إلى اختبار صعب كشف حدود الاستراتيجية الأميركية وأعاد طرح السؤال القديم حول جدوى المغامرات العسكرية في الشرق الأوسط، وفقاً لمنظور "الوكالة" لا "الأصالة"، حيث اختلطت فيها طموحات ترمب الانتخابية بأجندات اليمين الإسرائيلي المُتطرف، لتدفع الولايات المتحدة نحو أسوأ قرار استراتيجي في تاريخها الحديث في فخ "الغضب الملحمي".. كعادتهم عبر تضليل المعلومات وانكشاف الخلايا، التي انجرت أميركا وراؤها كما يُجر (الفيل والحمار).
فتونة (الفيل والحمار): المفارقة الكبرى هُنا أن الشعبوى ترمب نفسه كان طوال عقد كامل تقريباً من أبرز المنتقدين للسياسات العسكرية الأميركية في الخارج. لتتلألأ الشعبوية داخل إدارته بالفتونة كما بأفلام (الفتوة) المصرية، فمنذ صعوده السياسي رفع شعار "أميركا أولاً"، وقدم نفسه بوصفه ا(المُخلص) الذي سيضع حداً للحروب المُكلفة التي استنزفت الولايات المتحدة، بعد انتقاده مراراً أن التدخلات العسكرية في العراق وأفغانستان كانت أخطاء استراتيجية للادرات السابقة له ورمى اللوم على غريمهُ (بايدن)، إذ كلفت تلك الحروب تريليونات الدولارات وآلاف الجنود، ليُكرر النمط نفسهُ وكأننا لا أعين ولا عقول لنا لنفهم ونري بل ونسمع ونُحلل انقلابه الكامل وتنفيذهُ المخطط الماسوني على تلك القناعة. فزادت الانتقادات فالأزمة كشفت مرة أخرى عن بعض السمات التي كثيراً ما وجهت لترامب انتقادات بسببها: الميل إلى اتخاذ قرارات كبيرة بصورة مفاجئة، الاعتماد على دائرة ضيقة من المستشارين، والنظر إلى السياسة الدولية من زاوية الصفقات والمكاسب السريعة، وهنا تأتي المُدللة العاهرة اللعوب (إسرائيل) ودور نتنياهو -إن كان على قيد الحياه لأني أشك بالشخصية التي تظهر لنا وكأنها مفبركة كما كان بايدن وغيره-، ودفع الأم "واشنطن" بشبق حبور الحرب نحو الهلاك مع إيران التي هزت مكانة الفتوة في العالم عبر تدمير بوارجه وفرقاطاته البحرية وضرب العمق الإسرائيلي وتعطيل ما سمونه (القُبة الحديدية) فالعلاقة الشخصية الوثيقة بين الرجلين أصبحت محل جدل داخل الولايات المتحدة، ولكن تورط واشنطن الحالي ليس دفاعاً عن مصالح "الناخب في أوهايو"، بل هو استجابة لشبكة مصالح كليبتوقراطية (حكم اللصوص) تضم أقطاب العقارات والعملات المشفرة وصقور اليمين الذين يرون في دمار الشرق الأوسط فرصة لـ "إعادة الإعمار" وجني الأرباح، وهو ما يفسر صمت جي دي فانس وتذمر القاعدة الشعبية لحركة "ماغا".
حرب الظل والدول العربية: لقد حاولت أجهزة استخباراتية مرتبطة باليمين الإسرائيلي دفع واشنطن للمواجهة الشاملة عبر ضخ معلومات مفبركة حول "تهديدات إيرانية وشيكة". إلا أن الصدمة الحقيقية لم تكن في ميادين القتال، بل في "حرب الظل" داخل الدول العربية؛ حيث نجحت الأجهزة الأمنية في السعودية والكويت والبحرين في تفكيك خلايا تجسس وتخريب تبيّن أنها تعمل بتوجيه مباشر من "موساد" تل أبيب، بهدف تنفيذ عمليات تخريبية وإلصاق التهمة بطهران لجر المنطقة لحرب شاملة، علماً بأن أي تصعيد إضافي قد يضع الإدارة الأميركية أمام خيارين كلاهما صعب: إما التراجع السياسي المُكلف، أو الانخراط في حرب أوسع قد تستنزف الموارد الأميركية لسنوات.
في السعودية، كشفت التحليلات الأمنية منذ عام 2025 وحتى عامنا الحالي عن إحباط مخططات لضرب منشآت حيوية بأدوات تقنية "إسرائيلية الصنع" كان يراد تصويرها كمسيرات إيرانية. وفي الكويت والبحرين، أثبتت الاعتقالات الأخيرة أن "خلايا الفتنة" كانت تسعى لضرب النسيج الاجتماعي عبر عمليات تفجيرية تُنسب لـ"أذرع إيران"، مما كشف اللعبة المزدوجة التي يقودها نتنياهو لابتزاز العواصم العربية وواشنطن معاً، ليتحول شعار "أمريكا أولاً" إلى "خدمة الأوليغارشية" ووعود ترامب بإنهاء "الحروب العبثية"، فالرئيس الذي سخر من أوباما عام 2012 متهماً إياه بالتخطيط لضرب إيران من أجل الانتخابات، سقط في الفخ ذاته.
أما في.. بوصلة الرزانة "مصر" كانت نصائح القيادة المصرية للعرب واضحة: "الأمن القومي العربي لا يُشترى بصفقات مجمعة مع قوى خارجية، بل يُبنى بتفكيك خلايا التخريب العابرة للحدود وتغليب الدبلوماسية الوقائية". وفي مهب العاصفة، ووسط هذا الهذيان الاستراتيجي، برز الدور المصري كـ "حائط صد" ومنصة للحكمة الجيوسياسية، بعدما (جف حلق مصر من التحذير)، ليصدق قولاً وفعلاً، فقدمت رؤية مدعومة بالأرقام؛ حيث تشير الإحصائيات السيادية لعام 2025 إلى أن أي اتساع للصراع في مضيق هرمز وباب المندب سيؤدي إلى انكماش النمو الإقليمي بنسبة تصل إلى 4.5 %خلال العام الأول، إضافة لارتفاع تكاليف التأمين الملاحي بنسبة 300 %، مما يهدد سلاسل الإمداد العربية، وتشريد أكثر من 12 مليون إنسان إضافي في منطقة منهكة بالفعل. وقد أثبتت التقارير أن التنسيق المصري-السعودي كان حاسماً في كشف "الخلايا الإسرائيلية" التي حاولت العبث بالأمن الخليجي تحت ستار "الخطر الإيراني".
حبارى الموت: وما التصدع الداخلي وعزلة المغامرين، يواجه ترمب "نيراناً صديقة"؛ فالمحافظون التقليديون يرون أن "الغضب الملحمي" استنزفت رصيد أمريكا الأخلاقي والمادي وتحول لـ "حبارى الموت". وبدلاً من أن تكون العملية طوق نجاة انتخابي، تحولت إلى دليل إدانة على "ارتهان" القرار الأمريكي لأجندات نتنياهو الماسونية، الذي يواجه هو الآخر أزمات قانونية طاحنة ويبحث عن "نصر زائف" فوق أنقاض المنطقة، ووفق استطلاعات الرأي الأخيرة تشير إلى أن 68 %من المستقلين الأمريكيين يرفضون الحرب، مُعتبرين إياها "خدمة لأطراف خارجية لا تخدم دافع الضرائب الأمريكي".
وقفة: إن "عملية الغضب الملحمي" فتونة لقوة متهالكة، لا فعلاً بطولياً، أشبه بعرضاً جانبياً لسياسة خارجية كليبتوقراطية تمزج بين التجارة والدم. انكشفت ألاعيبهم فيها؛ فإيران، رغم خصومتها، لم تكن الوحيدة في قفص الاتهام، بل إن "خلايا الحليف" كانت هي الخنجر الذي يحاول طعن الاستقرار العربي من الخلف، وعلينا كعرب أن نحذر تلم العلاقة السامة، فإن استمرار هذا النهج لا يهدد رئاسة ترمب فحسب، بل يهدد بقاء الديمقراطيات واستقرار الشرق الأوسط بأكمله، فالتاريخ، كما قال تشرشل: "لا يحاسب القادة على نياتهم، بل على نتائج قراراتهم"، وصدق توماس جيفرسون: "أن أعظم أخطاء السياسة هي تلك التي تبدأ بثقة مفرطة وتنتهي بندم متأخر".









