تشهد المنطقة اليوم واحدة من أخطر مراحلها منذ سنوات، حيث يتداخل الصراع الإقليمي بين ايران من جهة وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، في مواجهة بدأت بضربات عسكرية مباشرة وامتدت سريعاً إلى عدة دول في الشرق الأوسط، وهذه المواجهة لم تبقَ محصورة بجغرافيا محددة، بل تحولت إلى صراع إقليمي واسع يهدد الاستقرار في المنطقة بأكملها.
في هذا السياق المتوتر، عاد لبنان ليجد نفسه مرة أخرى في قلب العاصفة. فقد تصاعدت في الأيام الأخيرة التهديدات الإسرائيلية بشكل واضح، وكان أخطرها التصريح الذي أطلقه وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، عندما قال إن الضاحية الجنوبية لبيروت قد تصبح “مثل خان يونس” في إشارة إلى حجم الدمار الذي شهدته المدينة في غزة.
هذا التصريح لم يأتِ في فراغ، بل في ظل تصعيد عسكري فعلي على الأرض. فإسرائيل كثفت ضرباتها الجوية على مواقع في لبنان مرتبطة بحزب الله ، في حين واصل الحزب إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة باتجاه إسرائيل، ما أدى إلى توسع رقعة المواجهة على الحدود اللبنانية.
لكن الأخطر من كل ذلك أن لبنان يبدو مرة أخرى وكأنهيقف في موقع المتفرج على صراع أكبر منه بكثير. فالحرب الدائرة اليوم ليست حرباً لبنانية بقدر ما هي مواجهة إقليمية بين قوى كبرى تستخدم ساحات متعددة في المنطقة. وفي مثل هذه الحروب غالباً ما تتحول الدول الصغيرة إلى مسرح لتصفية الحسابات.
الأحداث الأخيرة تشير بوضوح إلى أن الصراع لم يعد مجرد مواجهة محدودة، بل أصبح جزءاً من معادلة إقليمية واسعة. فبعد الضربات التي استهدفت إيران وقياداتها العسكرية، ردت طهران بإطلاق صواريخ وطائرات مسيرة باتجاه إسرائيل وقواعد عسكرية أمريكية في المنطقة، ما أدى إلى اتساع رقعة الاشتباك إلى عدة دول وإلى اضطراب في الملاحة والطاقة العالمية.
في خضم هذا التصعيد، يبرز السؤال الذي يقلق اللبنانيين اليوم، ما هو موقع لبنان في هذه المواجهة؟ وهل يمكن أن يتحول البلد إلى ساحة حرب مفتوحة في حال اتسعت المواجهة بين إيران وإسرائيل؟
الواقع أن لبنان يعيش منذ سنوات في معادلة معقدة. فمن جهة، الدولة اللبنانية تعلن أنها لا تريد الحرب وتسعى إلى الحفاظ على الاستقرار. ومن جهة أخرى، يبقى لبنان مرتبطاً بصراعات المنطقة عبر قوى سياسية وعسكرية لها امتدادات إقليمية. هذه الازدواجية في القرار تجعل البلد عرضة دائماً للانزلاق إلى صراعات لا يملك السيطرة الكاملة عليها.
لهذا السبب تبدو المرحلة الحالية شديدة الحساسية.
فالتهديدات الإسرائيلية ليست مجرد تصريحات إعلامية، بل جزء من استراتيجية تهدف إلى الضغط على لبنان وعلى القوى الفاعلة فيه من أجل تغيير موازين الردع في المنطقة.
وفي المقابل، يدرك كثير من اللبنانيين أن أي حرب واسعة ستكون كارثية على بلد يعاني أصلاً من أزمات اقتصادية ومالية غير مسبوقة. فلبنان اليوم ليس لبنان الذي عرفته الحروب السابقة؛ اقتصاده منهك، وبنيته الاجتماعية هشة، وأي مواجهة واسعة قد تدفع البلاد إلى انهيار أكبر.
وسط هذه المعادلة المعقدة، يبقى السؤال الأكبر، هل سيبقى لبنان ساحة للصراعات الإقليمية، أم يستطيع في مرحلة ما أن يفرض معادلة مختلفة تحميه من حروب الآخرين؟
إن الإجابة عن هذا السؤال لا تتعلق فقط بالتطورات العسكرية، بل أيضاً بقدرة اللبنانيين أنفسهم على إعادة تعريف موقع دولتهم في المنطقة. فلبنان الذي يبقى أسير صراعات الآخرين سيبقى دائماً مهدداً بالحروب، أما لبنان الذي يستعيد قراره الوطني فقد يجد طريقه أخيراً نحو الاستقرار.
لكن حتى تتضح ملامح المرحلة المقبلة، يبقى لبنان اليوم واقفاً على حافة عاصفة إقليمية، فيما العالم يراقب… والقلق يتصاعد في بلدٍ يعرف جيداً ثمن الحروب.







