تشهد جبهة لبنان تصعيداً عسكرياً خطيراً منذ فجر اليوم الجمعة، مع اتساع رقعة المواجهات بين جيش الاحتلال الصهيوني وحزب الله، في مشهد يعكس تحوّل الحدود اللبنانية إلى ساحة اشتباك مفتوحة ترتبط مباشرة بالتطورات الإقليمية المتسارعة. ويأتي هذا التصعيد في وقت تتجه فيه الأنظار إلى تداعيات العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران، حيث بدأت آثاره تتجاوز حدود الجغرافيا الإيرانية لتشمل أكثر من جبهة في الشرق الأوسط، وفي مقدمتها لبنان الذي يشكل إحدى أهم ساحات الصراع في المنطقة.
وتشير المعطيات الميدانية إلى أن الضربات الجوية الإسرائيلية المكثفة، إلى جانب الردود الصاروخية والتحذيرات غير المسبوقة من جانب حزب الله، تضع لبنان أمام مرحلة جديدة من المواجهة قد تتجاوز قواعد الاشتباك التقليدية التي حكمت الجبهة طوال الأشهر الماضية.
غارات عنيفة تستهدف الضاحية الجنوبية لبيروت
في هذا السياق، شن جيش الاحتلال منذ فجر اليوم الجمعة سلسلة غارات جوية عنيفة على الضاحية الجنوبية لبيروت، في تصعيد واضح يعكس اتساع العمليات العسكرية داخل لبنان.
ونفذت المقاتلات الإسرائيلية موجة جديدة من الضربات استهدفت مناطق الجاموس والمشرفية وحارة حريك، وذلك في محيط مستشفى الساحل، كما طالت الغارات مبنى سكنياً في حي الحدث، في خطوة تشير إلى انتقال العمليات إلى عمق الضاحية الجنوبية.
وأعلن جيش الاحتلال أنه نفذ 26 موجة هجومية في الضاحية منذ بداية الحملة العسكرية، موضحاً أن الغارات التي نُفذت الليلة الماضية استهدفت مقراً و10 مبان شاهقة قال إنها تضم بنى تحتية عسكرية تابعة لحزب الله، إلى جانب مستودع للطائرات المسيرة ومقر للمجلس التنفيذي للحزب.
وتعكس هذه الضربات، وفق مراقبين، محاولة إسرائيلية لتوجيه ضربة مؤلمة للبنية التنظيمية والعسكرية للحزب داخل لبنان، غير أن هذا النمط من العمليات غالباً ما يؤدي إلى مزيد من التصعيد، خاصة في ظل حساسية الضاحية الجنوبية باعتبارها مركزاً سياسياً وأمنياً مهماً.

اتساع الغارات إلى الجنوب والبقاع
لم تقتصر الغارات الإسرائيلية على الضاحية الجنوبية، بل امتدت إلى مناطق واسعة من لبنان، في مؤشر على توسع نطاق العمليات العسكرية،فقد أفادت الوكالة الوطنية للإعلام اللبنانية الرسمية بأن الطائرات الإسرائيلية استهدفت بلدات صريفا وتول وعيتا الشعب وتولين والصوانة ومجدل سلم وكفر رمان وحبوش في جنوب لبنان، وهي مناطق تقع ضمن الحزام الحدودي الذي يشهد عادة اشتباكات متقطعة بين الجانبين.
كما طالت الغارات بلدة دورس في منطقة البقاع شرقي لبنان، وهو تطور لافت لأن هذه المنطقة تعد بعيدة نسبياً عن خط التماس المباشر، ما يعكس اتساع بنك الأهداف الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية.
ويشير هذا التوسع الجغرافي للغارات إلى أن تل أبيب تسعى إلى الضغط على حزب الله في أكثر من محور، في محاولة لإضعاف قدراته العسكرية واللوجستية المنتشرة في مختلف مناطق لبنان.
تحذير غير مسبوق من حزب الله لسكان المستوطنات
في المقابل، لم يمر التصعيد الصهيوني دون رد، إذ أصدر حزب الله فجر الجمعة تحذيراً غير مسبوق لسكان البلدات الإسرائيلية القريبة من الحدود مع لبنان، ودعا الحزب سكان البلدات الواقعة ضمن نطاق خمسة كيلومترات من الحدود إلى إخلائها فوراً، في رسالة تعكس احتمال توسيع نطاق الاستهدافات داخل الأراضي المحتلة.
وقال الحزب في بيان نشره عبر قناته على تطبيق تليغرام إن عدوان جيش الاحتلال على السيادة اللبنانية وعلى المواطنين الآمنين وتدمير البنية التحتية المدنية، إضافة إلى حملة التهجير التي ينفذها داخل لبنان، لن تمر دون رد.
ويشير هذا التحذير إلى أن الحزب يسعى إلى خلق معادلة ردع ميدانية تقوم على الضغط المتبادل عبر الحدود، وهو ما يرفع مستوى التوتر على طول الجبهة الشمالية للاحتلال.
صافرات الإنذار تدوي في الجليل والجولان
وعلى وقع التصعيد، دوت صافرات الإنذار 14 مرة خلال الليل في المناطق القريبة من الحدود مع لبنان وكذلك في الجولان السوري المحتل، بعد رصد تسلل طائرات مسيرة وإطلاق صواريخ، وشملت الإنذارات مناطق حنيتا ويعارا وعرب العرامشة في الجليل الغربي، إضافة إلى رمات مغشيميم وحاسبين في الجولان المحتل.
ويعكس هذا المشهد حالة التأهب القصوى التي تعيشها المناطق الشمالية للاحتلال، خاصة مع تزايد استخدام الطائرات المسيرة والصواريخ قصيرة ومتوسطة المدى في المواجهة مع حزب الله على جبهة لبنان.
اشتباكات برية وإصابات في صفوف الاحتلال
إلى جانب الغارات الجوية والقصف الصاروخي، شهدت الحدود الجنوبية لـ لبنان أيضاً مواجهات برية بين قوات الاحتلال ومقاتلي حزب الله، وأكدت إذاعة الاحتلال إصابة ضابط وجندي بجروح متوسطة خلال اشتباك مع عناصر حزب الله في جنوب لبنان الليلة الماضية، في مؤشر على أن الاشتباكات لم تعد تقتصر على القصف عن بعد بل امتدت إلى احتكاك ميداني مباشر.
ويرى محللون أن هذه الاشتباكات قد تكون مقدمة لمحاولات توغل محدودة داخل الأراضي اللبنانية، وهو السيناريو الذي حذرت منه أطراف إقليمية ودولية نظراً لما قد يحمله من مخاطر توسع الحرب.
ارتفاع حصيلة الشهداء داخل لبنان
ومع استمرار الغارات والاشتباكات، ارتفعت حصيلة الضحايا داخل لبنان بشكل ملحوظ خلال الأيام الأخيرة، فقد أعلنت وزارة الصحة اللبنانية أن عدد الضحايا منذ فجر الاثنين الماضي بلغ 123 شهيداً و683 جريحاً، في حصيلة تعكس حجم العدوان الصهيوني الذي تشهده البلاد.
ويثير هذا الارتفاع في أعداد الضحايا مخاوف واسعة من أن يتحول لبنان مرة أخرى إلى ساحة حرب مفتوحة، خاصة في ظل هشاشة الوضع الاقتصادي والسياسي الذي تعانيه البلاد منذ سنوات.
الحرب على إيران تشعل جبهة لبنان
يأتي هذا التصعيد في لبنان في ظل اتساع الحرب الإقليمية التي بدأت مع العدوان الإسرائيلي الأمريكي على إيران السبت الماضي، فقد أسفر ذلك العدوان عن استشهاد 926 إيرانياً، من بينهم المرشد الأعلى علي خامنئي، وهو الحدث الذي اعتبرته قوى محور المقاومة تحولاً خطيراً في طبيعة الصراع في المنطقة.
وبعد هذا التطور، أعلن حزب الله أنه بدأ منذ الاثنين الماضي استهداف مواقع عسكرية إسرائيلية رداً على العدوان على إيران واحتجاجاً على الخروقات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار في لبنان الموقع في نوفمبر 2024.
وقد قابلت إسرائيل هذه الهجمات بسلسلة غارات جوية وتوغل بري وصفته بأنه "محدود"، في محاولة لمنع تحول الجبهة اللبنانية إلى ساحة حرب شاملة.
خروقات مستمرة لاتفاق وقف إطلاق النار
يأتي التصعيد الحالي في لبنان رغم وجود اتفاق لوقف إطلاق النار بين الاحتلال وحزب الله منذ نوفمبر 2024، لكن هذا الاتفاق ظل هشاً منذ البداية، إذ استمر الاحتلال في خرقه بصورة شبه يومية، بحسب مصادر لبنانية، ما أدى إلى سقوط مئات الشهداء والجرحى خلال الأشهر الماضية.
وكان الاحتلال الإسرائيلي قد قتل أكثر من 4 آلاف شخص وأصاب نحو 17 ألفاً آخرين خلال عدوان واسع على لبنان بدأ في أكتوبر 2023، قبل أن يتحول في سبتمبر 2024 إلى حرب شاملة.
ويشير استمرار الخروقات والتصعيد المتبادل إلى أن اتفاق وقف إطلاق النار لم ينجح في تثبيت الاستقرار على المدى الطويل، وأن لبنان لا يزال يقف على حافة مواجهة أوسع قد تتداخل فيها حسابات إقليمية ودولية معقدة.









