21 يوليو 2026|القاهرة 28 °

سارة جاسم تكتب: العراق : بين مطرقة الصراع وسندان الذاكرة

يعيش الشارع العراقي اليوم حالة من الترقب المشوب بالحذر، مع تصاعد نبرة التهديدات المتبادلة بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى

بقلم: سارة جاسم
٧ مارس ٢٠٢٦
4 دقائق قراءة
35 مشاهدة
علم العراق

علم العراق

يعيش الشارع العراقي اليوم حالة من الترقب المشوب بالحذر، مع تصاعد نبرة التهديدات المتبادلة بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، هذا المشهد، وإن كان "سياسياً" في عناوين الأخبار العالمية، إلا أنه في العمق العراقي يعيد فتح جراح لم تندمل بعد، ويستحضر أشباح حروبٍ خاضها هذا الشعب قسراً، دفاعاً عن وجوده أو نيابة عن غيره.

عندما توقظ الأخبارُ الأوجاع القديمة

بالنسبة للعراقيين، الحرب ليست مجرد "تحليلات عسكرية" على شاشات التلفاز، بل هي رائحة البارود التي لم تغادر الذاكرة، وصور الأحبة الذين غُيبوا في جبهات القتال. مع كل نبرة تصعيد جديدة، يستعيد العراقيون ذعر فقدان الآباء، والإخوة، والأبناء، إن الشعور بالخطر القادم لا ينبع من الخوف من الموت فحسب، بل من الخوف من تكرار دورة الحزن التي أثقلت كاهل كل بيت عراقي.

أرض الرافدين.. فاتورة دم لا تتوقف

لم يكد العراق يخرج من نفق مظلم حتى يجد نفسه أمام آخر، تاريخنا الحديث عبارة عن سلسلة من المواجهات التي جعلت من "الاستقرار" حلماً بعيد المنال، وتظهر الأرقام التقريبية حجم الكارثة التي حلت بنا:


* حرب الثمان سنوات (1980-1988): استنزفت جيلاً كاملاً، وتُشير التقديرات إلى سقوط ما بين 250,000 و500,000 شهيد عراقي، ناهيك عن ملايين الأرامل والأيتام.
* حرب الخليج (1991): التي شهدت قصفاً مدمراً للبنى التحتية، وخلفت خسائر بشرية قُدرت بـ 20,000 إلى 35,000 من العسكريين وآلاف المدنيين.
* سنوات الحصار الاقتصادي (1990-2003): كانت حرباً "صامتة" حصدت أرواح أكثر من مليون عراقي نتيجة نقص الغذاء والدواء، بينهم قرابة 500,000 طفل، في واحدة من أكبر المآسي الإنسانية المعاصرة.
* غزو 2003 وما بعده: فُتحت أبواب الجحيم بصراعات طائفية واقتتال داخلي؛ وتتراوح إحصائيات الضحايا (بين مدنيين وعسكريين) من 200,000 وفق "إحصاء الجثث العراقي" إلى أكثر من 600,000 وفق دراسات دولية أخرى.
*سنوات "الجمر" والاقتتال الداخلي (2006-2007): وهي المرحلة التي يصفها الكثيرون بأنها الأكثر رعباً؛ حيث حصدت الانفجارات اليومية والعنف الطائفي أرواح ما يزيد عن 50,000 إلى 100,000 مدني في عامين فقط، وتحولت الشوارع إلى ساحات للموت المجاني.

* الحرب ضد الإرهاب (داعش 2014-2017): التحدي الوجودي الذي كلف العراق أكثر من 100,000 شهيد من القوات الأمنية والمتطوعين والمدنيين الذين سقطوا في معدلات عنف وحشية.

سيكولوجية "التعود" وتجهيزات الطوارئ

تحول العراقي بفعل هذه الأزمات المتلاحقة إلى "خبير بقاء". بمجرد أن تلوح نذر الحرب في الأفق، تبدأ الأسواق بالازدحام؛ تخزين المواد الغذائية، تأمين الوقود، وتجهيز المستلزمات الأساسية. هذا السلوك ليس مجرد "هلع"، بل هو فعل غريزي لشعب تعلم أن الأمان قد يختفي في لحظة، وأن الدولة والمنظومة الاقتصادية قد تهتز تحت وطأة الصراعات الإقليمية.

لقد أصبح العراقيون "يتعايشون" مع الأزمات الاقتصادية وتقلبات الأسعار وكأنها قدرٌ محتوم، وهو تعودٌ مؤلم ينم عن مرونة قسرية فُرضت عليهم.

انه شعبٌ خُلق ليعيش.. لا ليحارب دائماً والمفارقة الكبرى تكمن في أن هذا الشعب الذي وُصف بأنه "خُلق ليعاني ويقاتل"، هو أكثر الشعوب حباً للحياة وتوقاً للسلام. خلف سواتر الحروب وقلق التجهيزات، هناك إنسان عراقي بسيط يريد فقط أن يقضي مساءه في مقهى هادئ، أو يشاهد مسلسلاً مع عائلته، أو يرى أبناءه يكبُرون بعيداً عن صافرات الإنذار.
العراق اليوم ليس طرفاً في صراعات الآخرين، لكنه جغرافياً ونفسياً يجد نفسه دائماً في "قلب العاصفة". إن الرسالة التي يحملها كل عراقي اليوم هي كفى حروباً بالوكالة، وكفى استنزافاً للأرواح والموارد. لقد آن الأوان لهذا الشعب أن يقطف ثمار صبره سلاماً واستقراراً، بعيداً عن محاور النزاع وصراع الإرادات الدولية.

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

سارة جاسم

كاتبة عراقية

التعليقات

1

أضف تعليقك

0/1000

جميع التعليقات (1)

هيثم الجبوري

4 شهور

مقال جميل وراقي وعطفاً على ذاك ان موقع العراق الاستراتيجي الذي يربط العالم القديم بالجديد والثروات الطبيعية التي يمتلكها هي احد الاسباب الرئيسية في جعل هذا البلد غير مستقر وان دول العالم متعطشة للسيطرة عليه وخاصةً امريكا وللكلام بقية

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير