20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

كيف كسرت جولة سي إن إن بإيران رواية الانهيار وأحرجت خطاب الحرب الأمريكي الإسرائيلي؟

قال الخبير الاستراتيجي د. محمد خليل مصلح، إن التقرير الذي بثه مراسل شبكة سي إن إن من داخل إيران قدّم صورة ميدانية مختلفة تماماً عن السرديات السياسية المتداولة حول حالة البلاد.

بقلم: عمرو المصري
٨ مارس ٢٠٢٦
7 دقائق قراءة
22 مشاهدة
جولة مراسل شبكة سي إن إن في إيران

جولة مراسل شبكة سي إن إن في إيران

قال الخبير الاستراتيجي د. محمد خليل مصلح، إن التقرير الذي بثه مراسل شبكة سي إن إن من داخل إيران قدّم صورة ميدانية مختلفة تماماً عن السرديات السياسية المتداولة حول حالة البلاد. وأوضح أن المشاهد التي نقلها التقرير أظهرت أسواقاً مفتوحة ومقاهي مزدحمة وحركة حياة طبيعية، في وقت يجري فيه الحديث عن انهيار وشيك للنظام الإيراني. وأضاف أن هذا التناقض بين الخطاب السياسي والواقع الميداني يمنح المعركة الإعلامية بعداً نفسياً مهماً يؤثر في قراءة المشهد الاستراتيجي.

وأشار مصلح، في تصريحات لـ"180 تحقيقات"، إلى أن ما نقله مراسل شبكة سي إن إن يعكس صورة مجتمع مستمر في حياته اليومية دون مظاهر هلع أو اضطراب اقتصادي واسع، رغم التوترات العسكرية والتهديدات المتكررة. وأكد أن هذا الهدوء الظاهر في المدن والأسواق يعزز فكرة ما وصفه بـ “الانكماش الاستراتيجي”، وهو أسلوب تتبعه إيران لإدارة الأزمات مع الحفاظ على استقرار الداخل. كما لفت إلى أن هذا المشهد يكمل الصورة المرتبطة بما يسميه الباحثون “العقيدة التكتيكية الإيرانية”، التي تعتمد على امتصاص الصدمات وإدارة الصراع على المدى الطويل.

وأضاف أن وجود الحياة الطبيعية في الشوارع والمحال التجارية يرسل رسالة واضحة مفادها أن المجتمع الإيراني لا يعيش حالة انهيار كما تروج بعض الخطابات السياسية الغربية. وأوضح أن هذه الصورة الواقعية تضعف خطاب التخويف الذي يتحدث عن دولة على وشك الانهيار، وتفتح الباب أمام قراءة مختلفة لطبيعة الصراع القائم.

جولة سي إن إن وحرب الروايات

يرى مصلح أن تقرير شبكة سي إن إن كشف بوضوح جانباً من الحرب النفسية التي ترافق التوترات السياسية والعسكرية في المنطقة. وأوضح أن الخطاب الذي يروج لفكرة انهيار النظام الإيراني يهدف أساساً إلى خلق ضغط نفسي وسياسي، سواء داخل إيران أو في الرأي العام الدولي. لكنه أكد أن المشاهد الميدانية التي نقلها التقرير تعكس واقعاً مختلفاً لا يتطابق مع تلك الروايات المتشددة.

وأشار إلى أن هذه المفارقة بين الصورة الإعلامية والخطاب السياسي تذكر بما يسمى في الدراسات الاستراتيجية “حرب العقول”، حيث يصبح الرأي العام ساحة مواجهة لا تقل أهمية عن الميدان العسكري. وأضاف أن عرض الحياة اليومية العادية في المدن الإيرانية يضعف سردية الانهيار، ويجعل الحديث عن انتصار سريع أمراً أقل إقناعاً أمام الجمهور الدولي.

وأكد أن الكاميرا أحياناً تكون أكثر تأثيراً من التصريحات السياسية، لأنها تنقل صورة مباشرة لا يمكن إنكارها بسهولة. فوجود مقاهٍ مفتوحة وأسواق نشطة قرب مناطق قيل إنها تعرضت لدمار واسع يطرح تساؤلات حول حجم الدعاية في الخطاب السياسي المتبادل.

جدل إعلامي

وأوضح مصلح أن رد فعل وزارة الخارجية الأمريكية تجاه تقرير شبكة سي إن إن كشف حساسية كبيرة تجاه الصورة التي نُقلت من داخل إيران. وقال إن اتهام القناة بالترويج لإيران بسبب تقديم القهوة للمراسل يعكس انتقال النقاش من مضمون التقرير إلى تفاصيل شكلية لا تمس جوهر الوقائع المعروضة. وأكد أن هذا التحول في طبيعة الرد يشير إلى صعوبة مواجهة الصور الميدانية بحجج مباشرة.

وأضاف أن الجدل الإعلامي الذي أثاره تقرير شبكة سي إن إن يعكس أزمة في السردية السياسية التي تحاول تصوير إيران كدولة منهارة بالكامل. فعندما تُظهر التقارير حياة طبيعية واستقراراً نسبياً، يصبح من الصعب الحفاظ على خطاب الانهيار الشامل. وهذا ما يفسر، بحسب مصلح، حدة ردود الفعل الرسمية تجاه التقرير.

وأشار إلى أن السماح بدخول مراسل إعلامي أجنبي إلى البلاد ونقل هذه المشاهد قد يكون جزءاً من إدارة إعلامية محسوبة للمشهد. فإظهار الأضرار من جهة، وإبراز الاستقرار الاجتماعي من جهة أخرى، قد يخدم استراتيجية تهدف إلى نفي فكرة الانهيار الكامل مع إبقاء باب الرد السياسي والعسكري مفتوحاً.

رمزية القهوة

اعتبر مصلح أن مشهد تقديم القهوة للمراسل يحمل دلالة رمزية تتجاوز كونه تفصيلاً يومياً بسيطاً. وقال إن هذا المشهد يعكس حالة طبيعية في حياة المجتمع رغم الظروف الاستثنائية المحيطة بالبلاد. وأوضح أن الرسالة الضمنية هي أن المجتمع قادر على مواصلة حياته اليومية حتى في ظل الضغوط والتهديدات.

وأشار إلى أن هذه الصورة تتماشى مع ما يصفه بعض الباحثين بعقيدة الصمود الطويل، حيث يتم امتصاص الصدمات الأولى مع الحفاظ على الاستقرار الداخلي. ولفت إلى أن هذه الاستراتيجية تقوم على إدارة الزمن في الصراع، وليس على البحث عن ردود فعل فورية قد تكون مكلفة.

وأضاف أن الرمزية هنا تتجاوز الإعلام إلى المجال الاستراتيجي، لأن الرسائل النفسية قد تلعب دوراً مهماً في حسابات الخصوم. فإظهار الاستقرار الاجتماعي في أوقات التوتر يمكن أن يحد من تأثير الضغوط النفسية التي ترافق التهديدات العسكرية.

حسابات الضربة

وفي ما يتعلق بالبعد العسكري، يرى مصلح أن تقرير شبكة سي إن إن قد يخلق عائقاً نفسياً أمام أي قرار بتوجيه ضربة واسعة لإيران. وأوضح أن تبرير هجوم كبير يصبح أكثر تعقيداً عندما تظهر الدولة المستهدفة وكأنها تعيش حياة طبيعية ومستقرة نسبياً. وهذا قد يثير تساؤلات داخل الرأي العام حول مبررات التصعيد العسكري.

وأشار إلى أن الذاكرة السياسية في الولايات المتحدة ما زالت تحتفظ بتجربة الحرب على العراق وما رافقها من جدل حول المعلومات الاستخباراتية. لذلك فإن أي خطاب يدعو إلى عمل عسكري جديد قد يواجه تساؤلات مماثلة إذا لم تكن الأدلة واضحة ومقنعة للرأي العام.

وأكد أن هذا الواقع قد يضعف محاولات تصوير أي ضربة عسكرية باعتبارها خطوة ضرورية لإنقاذ المنطقة أو تغيير الواقع السياسي. فعندما يبدو الطرف المستهدف متماسكاً، تتحول الضربة في نظر كثيرين إلى عمل عدائي أكثر من كونها عملية إنقاذ أو تحرير.

موازين القوى

أشار مصلح أيضاً إلى أن السماح بعمل إعلامي دولي داخل إيران يعزز صورة الدولة ذات السيادة في نظر المجتمع الدولي. وهذا قد يسهل على قوى دولية مثل الصين وروسيا الدفاع عن موقف داعم لإيران في المحافل السياسية. لأن دعم دولة مستقرة يختلف سياسياً عن دعم نظام يوصف بأنه منهار أو فاقد للسيطرة.

وأوضح أن هذه المعادلة قد تؤثر في طبيعة التحالفات الدولية وفي شكل الدعم السياسي أو الدبلوماسي الذي قد تتلقاه إيران. فالصورة الإعلامية تلعب دوراً مهماً في تشكيل المواقف الدولية، خاصة في ظل التنافس بين القوى الكبرى.

وختم مصلح تصريحه بالقول إن ما يحدث حالياً يعكس صراعاً بين منطقين مختلفين في إدارة الأزمات. فمن جهة هناك خطاب يعتمد على التصعيد والتهديد السريع، ومن جهة أخرى يوجد نهج يقوم على إدارة الصراع الطويل والصبر الاستراتيجي. وأضاف أن المستقبل سيكشف ما إذا كانت لغة القوة العسكرية ستغلب، أم أن منطق إدارة الزمن في الصراع سيبقى العامل الحاسم في هذه المواجهة.

عمرو المصري

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

كيف كسرت جولة سي إن إن بإيران رواية الانهيار وأحرجت خطاب الحرب الأمريكي الإسرائيلي؟ - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°