20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

د. لِيون سيوفي يكتب: دماء أَبنائِنا لَيسَت وَرَقَةً في لُعْبَةِ السِّياسِيّين… فَلِماذا تُفْرَضُ الحروب علَى الشُّعوب؟

ليستِ الحروبُ قَدَراً سَماوياً لا يُمكِنُ تَجَنُّبُه، بَل في كَثيرٍ مِنَ الأَحيانِ تَكونُ نَتيجَةً مُباشِرَةً لِفَشلِ السِّياسِيّين أَو لِسوءِ خِياراتِهِم. فالشُّعوبُ في الغالِبِ لا تَطلُبُ الحَرب

بقلم: د. ليون سيوفي
٩ مارس ٢٠٢٦
2 دقائق قراءة
78 مشاهدة
السياسة والحروب

السياسة والحروب

ليستِ الحروبُ قَدَراً سَماوياً لا يُمكِنُ تَجَنُّبُه، بَل في كَثيرٍ مِنَ الأَحيانِ تَكونُ نَتيجَةً مُباشِرَةً لِفَشلِ السِّياسِيّين أَو لِسوءِ خِياراتِهِم. فالشُّعوبُ في الغالِبِ لا تَطلُبُ الحَرب، ولا تَسعى إلى المَوتِ والدَّمار، بَل تَبحَثُ عَنِ الأَمانِ والعَملِ والحَياةِ الكَريمة. أَمّا حينَ تُقرَعُ طُبولُ الحَرب، فغالباً ما يَكونُ ذٰلِكَ بِسَبَبِ حِساباتٍ سِياسِيَّةٍ ضَيِّقَة، أَو طُموحاتِ سُلطة، أَو عَجزٍ عَن إِدارَةِ الخِلافاتِ بِالعَقلِ والحِكمَة.

لو أَنَّ السِّياسِيّين تَحَمَّلوا مَسؤوليّاتِهِم كما يَجِب، لَكانَتِ الدِّبلوماسيَّةُ هِيَ السِّلاحَ الأَوَّلَ والأَخير. فالحِوار، والتَّفاوُض، والوِساطاتُ الدَّوليَّة، والاتِّفاقاتُ المَرحليَّة، كُلُّها أَدواتٌ مَوجودةٌ لِتَجَنُّبِ الصِّدام. لٰكِنَّ المُشكِلَةَ أَنَّ بَعضَ القادَةِ يُفَضِّلون أَحياناً لُغَةَ التَّصعيد، لِأَنَّها تَخدِمُ مَصالِحَهُم الآنيَّة أَو تُعَزِّزُ مَواقِعَهُم في الدّاخل، حتّى لَو كانَ الثَّمَنُ دِماءَ النّاس.

الحَقيقَةُ القاسِيَةُ أَنَّ قَرارَ الحَربِ لا يَتَّخِذُهُ الجُنودُ الَّذينَ يَسقُطونَ في المَيدان، بَل يَتَّخِذُهُ السِّياسِيّونَ الَّذينَ يَجلِسونَ في المَكاتِب. هُم مَن يُوَقِّعونَ القَرارات، ويَرسُمونَ السِّياسات، ويَختارونَ طَريقَ المُواجَهَةِ أَو طَريقَ التَّهدِئَة. ومَعَ ذٰلِكَ، حينَ تَسقُطُ الضَّحايا وتُدَمَّرُ المُدُن، لا يَدفعونَ الثَّمَنَ الحَقيقيَّ كما يَدفعُهُ الأَهالي الَّذينَ يَفقِدونَ أَبناءَهُم وبُيوتَهُم.

لو كانَ لَدَى كَثيرٍ مِنَ السِّياسِيّين قَدْرٌ أَكبَرُ مِنَ الشَّجاعَةِ الأَخلاقيَّة، لَاعتَرَفوا بِأَنَّ الحَربَ غالِباً ما تَكونُ اعتِرافاً بِالفَشلِ السِّياسيّ قَبلَ أَن تَكونَ انتِصاراً عَسكريّاً. فالقائِدُ الحَقيقيّ لَيسَ مَن يَقودُ شَعبَهُ إلى المَعرَكَة، بَل مَن يَنجَحُ في حِمايَةِ شَعبِهِ مِنَ الوُصولِ إِلَيها.

لِذٰلِكَ يَبرُزُ السُّؤالُ الَّذي يَطرَحُهُ كَثيرونَ اليَومَ بِمَرارَة...لِماذا لا نَحمِلُ كُلَّ مَشاكِلِنا كُلَّها دُونَ استِثناء إلى طاوِلاتِ الحِوار، وإلى القَنواتِ الدِّبلوماسيَّة، وإلى القانُونِ الدَّوليّ، قَبلَ أَن تَتَحوَّلَ إلى ساحاتِ قِتال؟

لِماذا يَجِبُ أَن تُراقَ دِماءُ أَولادِنا وفِلذاتِ أَكبادِنا، لِيَكتَشِفَ السِّياسِيّون بَعدَ سَنواتٍ أَنَّ الحَلَّ كانَ مُمكِناً مُنذُ البِدايَة؟

إِنَّ المَسؤوليَّةَ الأَخلاقيَّةَ والتّاريخيَّةَ تَقَعُ أَوَّلاً عَلَى عاتِقِ الطَّبَقَةِ السِّياسيَّة. فحينَ يَعجِزُ السِّياسِيّونَ عَن إِدارَةِ الخِلافاتِ بِالعَقلِ والحِكمَة، تَتحوَّلُ الشُّعوبُ إلى وَقودٍ لِحُروبٍ لَم تَختَرها، ويُصبِحُ الوَطَنُ هُوَ الضَّحيَّةَ الكُبرى لِصِراعاتٍ كانَ يُمكِنُ أَن تُحَلَّ بِالكَلِمَةِ بَدَلَ الرَّصاص.

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

د. ليون سيوفي

د. ليون سيوفي ، باحث وكاتب سياسي ومرشح سابق لرئاسة الجمهورية اللبنانية

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير