مع حلول شهر آذار، وفي غمرة الاحتفاء بـ يوم المرأة العالمي، تتجه الأنظار نحو نماذج نسائية لم تكتفِ بصناعة الحاضر، بل خلدت أسماءها في سجلات التاريخ عبر حماية الماضي، ومن قلب البصرة الفيحاء، تبرز قصة السيدة عالية محمد باقر؛ المرأة التي لم تواجه الرصاص بالسلاح، بل واجهت نيران الغزو بـ "الكتاب"، لتصبح أيقونة عراقية وعالمية تُثبت أن إرادة المرأة هي الحصن الأخير للهوية الوطنية.

معركة ضد الرماد
في العشرين من آذار عام 2003، وبينما كانت سحب الدخان تغطي سماء البصرة إبان الغزو، لم تكن أمينة المكتبة المركزية عالية باقر تخشى على حياتها، بل كان فزعها الأكبر على 50 ألف كتاب ومخطوطة نادرة تمثل إرثاً حضارياً لا يُعوض.
بعد رفض المسؤولين آنذاك مقترحها بنقل الكتب لمكان آمن، لم تقف عالية موقف المتفرج، وبإرادة فولاذي بدأت رحلة محفوفة بالمخاطر، حيث استعانت بجيرانها وأصحاب النخوة لنقل الكنوز الورقية سراً، وتحت جنح الظلام، نُقلت الكتب ملفوفة بالستائر ومخبأة في الصناديق إلى مطعم "حمدان" المجاور، ومن ثم إلى بيتها الخاص، لتتحول غرف معيشة منزلها إلى "خزنة للتاريخ".
30 ألف كتاب.. أمانة في قلب امرأة
نجحت عالية في إنقاذ حوالي 70% من محتويات المكتبة، بما في ذلك مخطوطة "سيرة النبي محمد عليه الصلاة والسلام" التي يتجاوز عمرها 1300 عام، وعندما وصلت الأنباء باحتراق المكتبة بالكامل في حادث غامض، سقطت عالية مغشياً عليها وأصيبت بنوبة قلبية حادة، وكأن النيران التي التهمت الجدران كانت تحرق جزءاً من روحها.

لكنها قاومت الموت، وعادت لتكمل رسالتها. وبمجرد استقرار الأوضاع نسبياً، أعادت الكتب "الأمانة" إلى المكتبة بعد ترميمها، لتثبت للعالم أن المرأة العراقية هي الحارس الأمين لثقافة أمتها حتى في أحلك الظروف.
صدى عالمي ودور ريادي
تجاوزت قصة بطولتها الحدود، وصارت مصدر إلهام عالمي:
الأدب العالمي: خُلدت قصتها في كتب أطفال دُرست في المناهج الأمريكية، مثل كتاب "أمينة مكتبة البصرة" لجانيت ونتر.
المسارح الدولية: تحولت تضحيتها إلى مسرحيات جسدت شجاعة المرأة في مواجهة همجية الحروب.
التكريم الأممي: بفضل قصتها التي تصدرت صحيفة "نيويورك تايمز"، تحركت منظمات دولية لجمع التبرعات وإعادة بناء مكتبة البصرة التي افتتحت أبوابها مجدداً في تشرين الأول 2004.
آذار يزهر بذكراها
في يوم المرأة، لا نكتفي بالاحتفاء بالنجاحات المهنية، بل ننحني إجلالاً لتلك اللواتي وقفن سداً منيعاً أمام "مجزرة الثقافة". عالية محمد باقر، أو "البطلة الثقافية للعراق"، لم تكن مجرد موظفة، بل كانت "قلباً" ينبض بالحضارة في زمن الخراب.
إن ذكرى عالية اليوم هي تذكير لكل امرأة بأن قوتها قادرة على تغيير مجرى التاريخ وحماية ذاكرة الأوطان من الاندثار. رحلت عالية بجسدها، لكن 30 ألف كتاب أنقذتها يداها لا تزال تروي قصتها لكل جيل يمر بمكتبة البصرة.
في الختام، غادرت عالية محمد باقر عالمنا عام 2021، لكنها تركت خلفها ما هو أثمن من الكلمات تركت وطناً لم تُسلب ذاكرته، ومكتبةً تنبض بالحياة بفضل شجاعتها. إن قصة عالية ليست مجرد حكاية عن إنقاذ ورق ومخطوطات، بل هي درس بليغ في "المواطنة الثقافية".










