"لن تُسجَّل شعوب تُستَباح حقوقها في سجلّ العدالة الدوليّة، بينما يُمكِن لمنظومة ظالمة أن تعزف سيمفونية السلام بلا مراقبة"، هكذا خرجت الواقعية العملية للأمم المتحدة بأفعالها على مدار 80 عاما منذ تأسيسها في 24 أكتوبر 1945، لاسيما في الشرق الأوسط، لتصبح مرآةً رائعة لأهدافها، لكنها في الغالب نافذةً تُطلّ منها القوى الكبرى لتبرير صمتٍ أو تحييدٍ مقصود، وما يحدث اليوم هو صرخة في وجه المنظومة الدولية الظالمة، فالعدالة الدولية لا تُطبق إلا إذا أراد طرف قوي تطبيقها.
إن الحل لا يكمن في مزيد من مبيعات السلاح أو تأزيم العلاقات العربية الإيرانية، بل في وعي إقليمي يدرك أن أمن الشرق الأوسط يجب أن يُصنع في عواصمه، لا في دهاليز البيت الأبيض أو كواليس الموساد الممزوج بحبارير الموت في أوج شبقها للدم.
لقد اهانت البشرية منذ أن حملت الأمم المتحدة شعار الزيف "الحفاظ على السلم والأمن الدوليين". ليكون فالها في مهمتها الرئيسية على الأرض في الشرق الأوسط، من غزّة إلى العراق إلى سوريا وليبيا ولبنان وافغانستان وفيتنام والبوسنه واللائحة لا حصر لها، ليكشف عن فجوة مروّعة بين الهدف والممارسة. كثير من الأقوال تعكس هذا التناقض فالعدالة الدولية تبدأ من المساواة في التطبيق وليس بالكلام والفيتو المنمق، بدليل أن زيف القانون الدولي لا يُطبَّق إلا إذا أراد طرفٌ قوي أن يُطبَّقه.
فلا تذهبوا أيها العرب وأيها العقلاء لمجلسهم ولا تطرقوا أبوابهم. ولنتعلم من عام 1971 عندما هُزمت باكستان أمام الهند. وبدلاً من إدانة مجلس الأمن العدوان، أصدر قرارًا يمنع باكستان من امتلاك السلاح النووي، حينها مزّق ذو الفقار علي بوتو قرار الأمم المتحدة، وغادر القاعة، وأعلن بدء البرنامج النووي الباكستاني لتحقيق التوازن مع الهند الذي يقوده السيخ والهندوس بالتعاون مع بريطانيا .. فتكالب العالم ضده، ومع ذلك اقسم على امتلاك القنبلة النووية مهما كلفت التضحيات وان لا تكون الباكستان لقمة سائغة للهند، وبالفعل تحولت باكستان إلى قوة نووية ومن يومها صار العالم ينظر إلى الباكستان كعضو محترم في النادي النووي وعادت العلاقات الدبلوماسية الهندية الباكستانية إلى طبيعتها ولكن كبرياء الاعداء واذلالهم جعلهم يفكرون في الانتقام من الرئيس الباكستاني الشريف علي بوتو، ليتم اعدامه بعد محاكمة مثيرة للجدل كانت بدفع من القائد العسكري ضياء الحق صاحب التوجهات البريطانية فيما بعد ..!!!
ولنفهم غطرسة الولايات المتحدة اليوم في إصرارها على فرض نفوذ أحادي الجانب، متجاهلةً كافة التحذيرات الدولية من مغبة تلك الحرب الإقليمية الشاملة. وتحريض المرآة اللعوب لدفع العواصم العربية نحو صدام مباشر مع طهران. بهدف إنعاش مصانع السلاح الأمريكية عبر صفقات مليارية تُثقل كاهل الميزانيات العربية، ثُم إبقاء دول الخليج في حالة من "القلق الأمني" الدائم الذي يضمن تبعيتها للمظلة الأمريكية، بدلاً من التوجه نحو بناء منظومة أمنية إقليمية مستقلة.
هنا بمقالنا نفهم أداء الأمم المتحدة بعيون نقديّة، نكشف دعماً أو صمتاً، في علاقة سامة لطبيبة تعشق مرضاها وهي في حبور المرض. لأنّ وضعاً كهذا لا يُحتمل أن يُكمل من دون محاسبة وإصلاح ولكن من؟.
أولاً: من المفترض أن تُفعل المهمة الأولى لها (السلام) لردع الاعتداءات، واحترام حقوق الإنسان، والحفاظ على السلم. لكنها، في 99% تبدو وكأنها مجرد مُشاهدٍ في الخلفيّة، أو حتى لاعباً غير محايد. فحين يُطلَب من المجلس أو الأمانة العامة أن تتحرّك بسرعة لإنقاذ غزة بدلائل دامغة، يُخفت صوتها أو يُوقف القرار بسبب الاعيب سياسية بنظام الفيتو (أبرز آليات التحيّز)؛ لمنع إصدار قرارات تُجرّم حلفاءها أو تُلزمهم بالتدخّل. بهذا، تصبح الأمم المتحدة أداة للأطراف الكبرى بدلاً من أن تكون ولو محايداً للقانون الدولي.
ثانياً: يا لها من وصمة عار أممية فنصوص القانون الدولي – مثل "اتفاقيات جنيف" أو "الميثاق الدولي لحقوق الإنسان" – لا ولن ينفّذ منها شيء إلا إذا وُجدت إرادةٌ سياسية وتوقٌق دولي وقرار عربي موحد يكون له أثر فوري. ففي قطاع غزة، تُجري قوات الاحتلال عمليات واسعة النطاق منذ 7 أكتوبر 2023، وصلت حتى منتصف 2025 عدد القتلى نحو مئة ألف فلسطيني على الأقل، ناهيكم عن آلاف ممن قُتلوا عمدا، وهم يُحاولون الوصول إلى المساعدات الغذائية منذ منتصف يونيو 2025.
ثالثًا: هذا الواقع يكشف فشلاً من الأمم المتحدة في تنفيذ الحماية التي يُفترض أن تنص عليها قراراتها وميثاقها لهذا النوع من النزاعات. ففي العراق بعد حرب 2003 وتداعياتها، كان دور الأمم المتحدة شكلياً. فالقانون الدوليّ والشرعية الدولية وحقوق الإنسان غالباً ما سبقها الواقع العسكري والمدني الذي أحدثته تلك التدخّلات الأمريكية الفظة.
أما لعنه لبنان فتُعاني الدولة من ضعف السلطة والمساءلة، والمجتمع الدولي وفشل الأمم المتحدة في فرض حمايتها التي تُترجَم إلى تعطيل قرارات قوية في عمليات مراقبة التنفيذ والمحاسبة. أما سوريا فالعينُ تحزن عليها منذ اندلاع الحرب الأهلية، وتدخلات عدة دول وإقليمية جعلت من القانون الدولي مجرد خطاب. حملات القصف، الاستخدام الكيميائي، وتهجير السكان، كلها كما في غزة تمت مع تراجع ملموس في قدرة الأمم المتحدة على الحماية الفعلية.
رابعاً وباختصار: تنتهي القوانين أمام العالم كما الخال في السودان الآن، وكأن الأمم المتحدة تتلو بيانات وتصدر تقارير، لكن دون الآليات التنفيذية الخاوية.. والإحصائيات الحديثة حتى 10 نوفمبر 2025 تثبت ذلك وفق تقريراً للأمم المتحدة نفسها يفيد بأن أكثر من 36 ألف مدنٍى قتلوا في صراعات عدّة خلال عام 2024، "والعدد الحقيقي أعلى بكثير".
وأخيرا: إذا كانت الأمم المتحدة قد نجحت في إنهاء الحروب وحماية المدنيين في الشرق الأوسط، فالجواب الذي تُشير إليه الوقائع هو: لا. إنها منظمة تحمل في شعارها قيم العدالة والسلام، لكنها محاصَرة بنظام سياسي دوليّ يهيمن عليه القويّ، ويستخدم الفيتو وتوازنات المصالح لإبطاء أو عرقلة قرارات فعلية. وإخراج الأمم المتحدة من التبعية الماسونية الصهيونية الأمريكية الغربية بتعديل نظام الفيتو أو تقييده حين يكون سبباً في تعطيل العدالة الدولية، كذلك تفعيل آليات المحاسبة الدولية، خصوصاً في حالات الاعتداءات على المدنيين وخرق القانون الدولي. ولعل والتأكيد على دور الإعلام وحريته في صنع الضغط الدولي وإطلاق الرأي العام العالمي للمطالبة بالعدالة والتنفيذ. لكشف المتورطين، ليكون شعار “السلم والأمن الدوليين” واقعيا كألفاظه لا مجرد نصٍّ على ورق.
وقفة: إنها ضرورة إنسانية وأخلاقية عاجلة، والإعلام اليوم هو مرآة الواقع، ومنصة التغيير فهل يفهم العاقلون ام أننا في زمن الجهلاء باقون؟!! وهل يفهم العاقلون أن اللعب بالنار في حقول النفط سيحرق الجميع، أم أننا باقون في زمن الجهلاء الذين يقودون العالم نحو الهاوية؟!!








