أظهر تقدير استراتيجي صادر عن معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي أن المواجهة الدائرة مع إيران لم تعد تقتصر على الجبهة العسكرية، بل امتدت إلى ساحة الاقتصاد العالمي، وتحديداً سوق الطاقة، في محاولة من طهران لخلق ضغط اقتصادي وسياسي يدفع الولايات المتحدة وحلفاءها إلى إنهاء الحرب.
وبحسب التقرير، فإن إيران تسعى منذ الأيام الأولى للحرب إلى إحداث اضطراب واسع في سوق النفط والغاز العالمي، معتبرة أن هذا المسار يمثل أحد الأدوات القليلة القادرة على التأثير في موازين الصراع مع واشنطن. فإحداث صدمة في أسعار الطاقة قد يخلق ضغطاً سياسياً داخل الدول الغربية، ويدفع الحكومات إلى البحث عن تسوية سريعة للحرب.
ويشير التقرير إلى أن إيران نفذت خلال الأسبوع الأول من المواجهة هجمات على بنى تحتية نفطية في السعودية والعراق، واستهدفت ناقلات نفط تابعة لسلطنة عُمان والإمارات، كما حاولت ضرب منشأة لإنتاج الغاز الطبيعي المسال في قطر، بالتوازي مع التهديد باستهداف السفن العابرة في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20 في المئة من تجارة النفط والغاز المسال في العالم.
اقرأ أيضا: أرامكو تحذر: تعطيل مضيق هرمز سيدمر أسواق النفط العالمية والاقتصاد بأكمله
وأدت هذه التطورات إلى قفزة حادة في أسعار الطاقة خلال الأسبوع الأول من الحرب، حيث ارتفع سعر النفط الأمريكي إلى نحو 91 دولاراً للبرميل، مسجلاً زيادة تقارب 35 في المئة مقارنة بمستوياته قبل اندلاع الحرب، فيما ارتفعت أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا بنحو 70 في المئة خلال أسبوع واحد.
ورغم هذه الارتفاعات الحادة، يرى التقرير أن الاقتصاد العالمي لا يزال قادراً على استيعاب الصدمة في المدى القصير، إذ دخلت الأسواق الحرب من وضع مستقر نسبياً مع وجود فائض في الإمدادات، وهو ما يقلل من احتمالية حدوث أزمة طاقة عالمية فورية مشابهة لتلك التي رافقت الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022.
وفي هذا السياق، يشير التقرير إلى أن الدول المستوردة للطاقة، خاصة في آسيا، تمتلك مخزونات استراتيجية تسمح لها بتجاوز فترة من الاضطراب في الإمدادات. فاليابان، التي تعتمد بشكل كبير على نفط الخليج، تمتلك احتياطيات تكفيها لنحو تسعة أشهر، بينما حصلت الهند على موافقة أميركية لزيادة وارداتها من النفط الروسي في المرحلة الحالية.
لكن المفارقة التي يبرزها التقرير أن نقطة الضعف الاقتصادية قد لا تكون لدى الدول المستوردة للطاقة، بل لدى الدول المصدرة لها في الشرق الأوسط. فاقتصادات العديد من دول الخليج تعتمد بشكل كبير على صادرات النفط والغاز، ما يجعل استمرار الحرب وعرقلة طرق التصدير خطراً مباشراً على عائداتها الاقتصادية.
ويحذر التقرير من أن الهجمات على ناقلات النفط أو البنية التحتية للطاقة قد تخلق تأثيراً رادعاً كبيراً في سوق الشحن البحري، إذ قد يؤدي استهداف ناقلة نفط واحدة – تبلغ قيمتها مئات ملايين الدولارات – إلى امتناع شركات الشحن عن المرور عبر مضيق هرمز حتى لو توفر غطاء تأميني دولي.
كما يشير التقدير إلى سيناريو أكثر خطورة يتمثل في امتلاء منشآت التخزين في الدول المصدرة للنفط مثل السعودية والعراق والكويت والإمارات، في حال استمر الإنتاج مع تعطل التصدير نتيجة المخاطر الأمنية. وفي هذه الحالة قد تضطر هذه الدول إلى وقف إنتاج النفط والغاز مؤقتاً بسبب عدم توفر أماكن إضافية للتخزين.
اقرأ أيضا: لماذا تؤدي الاضطرابات في مضيق هرمز إلى ارتفاع أسعار النفط والبنزين؟
وبحسب الدراسة، فإن هذه اللحظة قد تقترب خلال أيام إذا استمرت الاضطرابات في الملاحة وعمليات التصدير، وهو ما قد يخلق ضغطاً اقتصادياً كبيراً على دول الخليج التي تعتمد ميزانياتها بشكل رئيسي على عائدات الطاقة.
وفي قطاع الغاز، يشير التقرير إلى أن الوضع أكثر حساسية بالنسبة إلى قطر، التي تعد أحد أكبر مصدري الغاز الطبيعي المسال في العالم، إذ إن واحدة من كل خمس شحنات غاز مسال عالمياً تنطلق من منشآتها. وقد أعلنت الدوحة حالة “القوة القاهرة” في صادرات الغاز بعد الهجمات الأخيرة، محذرة من أن استعادة الإنتاج الكامل قد تستغرق أسابيع أو حتى أشهر.
ويخلص التقرير إلى أن أسواق الطاقة قد تتحول إلى أحد العوامل الحاسمة في تحديد مدة الحرب، لكن ليس بالضرورة عبر نقص عالمي فوري في الإمدادات، بل عبر الضغط الاقتصادي المتزايد على الدول المصدرة للطاقة في المنطقة.
وبحسب التقدير الإسرائيلي، فإن ما يسميه التقرير “ساعة الرمل الاقتصادية للحرب” قد لا تكون في الغرب أو آسيا، بل في دول الخليج نفسها، إذ إن توقف الإنتاج أو تعطل الصادرات لفترة طويلة قد يدفع هذه الدول إلى ممارسة ضغوط سياسية متزايدة لإنهاء الحرب سريعاً لتجنب خسائر اقتصادية واستراتيجية طويلة المدى.









