21 يوليو 2026|القاهرة 28 °

ترامب وحرب إيران: بين البحث عن نصر إعلامي وتعقيدات الواقع الميداني

السؤال الأكبر في المواجهة الجارية مع إيران لا يتعلق فقط بحجم الخسائر العسكرية أو بعدد الصواريخ والقواعد والمقرات التي تم تدميرها خلال العمليات المتبادلة،

بقلم: سماح عثمان
١١ مارس ٢٠٢٦
8 دقائق قراءة
38 مشاهدة
ترامب وإيران

ترامب وإيران

السؤال الأكبر في المواجهة الجارية مع إيران لا يتعلق فقط بحجم الخسائر العسكرية أو بعدد الصواريخ والقواعد والمقرات التي تم تدميرها خلال العمليات المتبادلة، بل يتجاوز ذلك إلى سؤال أكثر تعقيدًا: ما الذي يمكن اعتباره نصرًا حقيقيًا في هذه الحرب؟ ومن هي الجهة التي تمتلك الحق في تعريف هذا النصر وتحديد معاييره؟ فالحروب الحديثة لا تُقاس فقط بنتائجها العسكرية المباشرة، بل أيضًا بالقدرة على صياغة رواية سياسية وإعلامية تقنع الداخل والخارج بجدوى ما حدث.

وفي مقال تحليلي لـ إلداد شافيط بصحيفة يديعوت أحرونوت قال ، بالنسبة إلى إسرائيل، فإن مفهوم النصر يحمل طابعًا استراتيجيًا عميقًا، إذ يرتبط بإحداث تغيير جذري في موازين القوة الإقليمية. ويتمثل ذلك في منع إيران بشكل نهائي من الوصول إلى السلاح النووي، وتقليص أو إزالة تهديد الصواريخ بعيدة المدى، وإضعاف شبكة الحلفاء الإقليميين المرتبطين بطهران، إضافة إلى فرض واقع سياسي وأمني جديد في المنطقة يكون أكثر ملاءمة للمصالح الإسرائيلية مقارنة بما كان قائمًا قبل اندلاع الحرب.

أما بالنسبة إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي يتولى الرئاسة منذ انتخابات 2024، فقد يبدو مفهوم النصر مختلفًا في طبيعته وحدوده. فالنصر بالنسبة إلى البيت الأبيض قد يكون نتيجة يمكن تقديمها للرأي العام الأميركي بوصفها إنجازًا كبيرًا أو تحولًا تاريخيًا، حتى لو كانت هذه النتيجة محدودة عمليًا أو جزئية على أرض الواقع.

اختلاف الأهداف

تسعى إسرائيل، وفق هذا المنظور، إلى إحداث تحول عميق في بنية القوة الإيرانية، وربما في طبيعة النظام نفسه. لكن واشنطن قد تكتفي بنتيجة أقل طموحًا: إيران أضعف عسكريًا، وأكثر قابلية للردع، ويمكن احتواؤها ضمن معادلات الردع التقليدية دون الحاجة إلى تغيير جذري في النظام.

وتحاول الإدارة الأميركية تقديم صورة شبه متفائلة للمشهد؛ فالرواية التي يسعى البيت الأبيض إلى ترسيخها تقوم على فكرة أن أمريكا استعادت قوتها، وأن إيران تتلقى ضربات مؤلمة، وأن سياسة “السلام عبر القوة” التي يكررها ترامب أثبتت فعاليتها في التعامل مع خصوم واشنطن.

غير أن الواقع الميداني يبدو أكثر تعقيدًا وأقل انسجامًا مع هذه الرواية. فالمواجهة العسكرية دخلت أسبوعها الثاني، بينما يواصل ترامب المطالبة بما يصفه بـ”الاستسلام غير المشروط” من جانب إيران، في الوقت الذي تلوّح فيه واشنطن بإمكانية تنفيذ موجات إضافية من الضربات العسكرية. ومع ذلك، لم تظهر حتى الآن مؤشرات واضحة على انهيار النظام الإيراني أو فقدانه السيطرة الداخلية.

طموح تغيير السلطة

في هذا السياق، يبرز بُعد أكثر طموحًا في التفكير داخل الإدارة الأميركية. فالمسألة بالنسبة إلى ترامب لا تتوقف عند إضعاف إيران عسكريًا، بل تمتد إلى احتمال إعادة تشكيل السلطة التي قد تظهر في البلاد بعد الحرب، بما يتوافق أكثر مع المصالح الأميركية في المنطقة.

هذا التصور يعيد إلى الأذهان تجربة حاولت فيها الولايات المتحدة دعم قيادة بديلة في فنزويلا، على أمل إحداث تغيير سياسي يفتح الباب أمام نظام أكثر قربًا من واشنطن. ومن الواضح أن هذا النوع من التفكير ينسجم مع الأسلوب السياسي لترامب، الذي يميل إلى النظر إلى الصراعات الدولية باعتبارها فرصًا لإعادة ترتيب موازين القوى وإعادة تشكيل التحالفات.

لكن الواقع الإيراني يختلف جذريًا عن الحالة الفنزويلية. فالنظام في طهران يمتلك بنية سياسية وأمنية ودينية أكثر تماسكًا، كما يتمتع بآليات مؤسساتية قادرة على الحفاظ على الاستمرارية حتى في ظل الضغوط العسكرية والاقتصادية الشديدة.

إيران وصلابة النظام

بحسب تقييم استخباراتي أميركي سري جرى الكشف عنه مؤخرًا، فإن حتى حملة عسكرية واسعة النطاق قد لا تكون كافية لإسقاط النظام في طهران. ويرجع ذلك إلى أن إيران تمتلك منظومة معقدة من المؤسسات السياسية والدينية والأمنية التي تمنحها قدرة كبيرة على الصمود والاستمرار، حتى في ظل ظروف الحرب.

هذه المعطيات تجعل فكرة انهيار النظام الإيراني نتيجة الضربات العسكرية وحدها أمرًا غير مضمون، وهو ما يزيد من تعقيد الحسابات الاستراتيجية في واشنطن وتل أبيب على حد سواء. فالحروب التي تبدأ بهدف تحقيق تغييرات سريعة قد تتحول بسهولة إلى صراعات طويلة إذا تبين أن الطرف المستهدف يمتلك قدرة أعلى مما كان متوقعًا على التكيف مع الضغوط.

صراع عالمي

المواجهة مع إيران لا تُقرأ في واشنطن فقط بوصفها صراعًا إقليميًا، بل يجري إدراجها أيضًا ضمن سياق جيوسياسي أوسع. فمن منظور الإدارة الأميركية، ترتبط هذه المواجهة بالصراع على السيطرة على طرق الطاقة العالمية، والحفاظ على مصداقية الردع الأميركي، وتعزيز النفوذ الأميركي في مواجهة التوسع المتزايد لنفوذ الصين في النظام الدولي.

بالنسبة إلى ترامب، فإن إظهار الهيمنة الأميركية في منطقة الخليج يمثل رسالة استراتيجية تتجاوز إيران نفسها. فإعادة تأكيد القدرة الأميركية على التحكم في التوازنات الأمنية والاقتصادية في هذه المنطقة الحيوية يعد عنصرًا أساسيًا في المنافسة الجيوسياسية الكبرى مع القوى الصاعدة.

ضغط النفط

غير أن أخطر المتغيرات التي تثير القلق داخل البيت الأبيض لا يتعلق فقط بالنتائج العسكرية، بل أيضًا بالتداعيات الاقتصادية للحرب، وعلى رأسها أسعار النفط العالمية. فقد بدأت الأسعار بالفعل في الارتفاع إلى مستويات لم تشهدها الأسواق منذ عام 2022، في ظل الاضطرابات التي أصابت تدفقات الطاقة من منطقة الخليج.

وقد أدت الحرب إلى تعطيل جزئي لحركة الطاقة عبر مضيق هرمز، وهو أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط في العالم، كما أثرت العمليات العسكرية في قدرة بعض دول المنطقة على الحفاظ على مستويات إنتاج مستقرة. وفي الوقت نفسه، تحاول الإدارة الأميركية احتواء ارتفاع الأسعار، خشية أن يتحول ذلك إلى أزمة سياسية واقتصادية داخل الولايات المتحدة.

وتشير تقارير إعلامية إلى أن حالة من القلق تسود داخل واشنطن بسبب الضربات التي استهدفت منشآت الوقود والنفط داخل طهران، إذ يخشى صناع القرار أن تؤدي هذه العمليات إلى صدمة جديدة في سوق الطاقة العالمية، وهو ما قد ينعكس مباشرة على الاقتصاد الأميركي.

سباق الزمن

كلما استمرت العمليات العسكرية دون ظهور ملامح واضحة لنهاية الصراع، ارتفعت التكلفة السياسية للحرب داخل الولايات المتحدة. فارتفاع أسعار الطاقة يعني ضغطًا تضخميًا أكبر، واستياءً متزايدًا لدى المستهلكين، إضافة إلى تصاعد الانتقادات للحرب التي قد تبدو للرأي العام صراعًا مفتوحًا بلا نهاية محددة.

وفي هذا السياق، يكتسب الأسبوع المقبل أهمية استثنائية، لأنه قد يمثل لحظة حاسمة ليس فقط على المستوى العسكري، بل أيضًا في المجالين السياسي والإعلامي. فإذا تمكن ترامب من تقديم إنجاز واضح – مثل توجيه ضربة دراماتيكية جديدة، أو ظهور مؤشرات على تراجع إيراني، أو حتى إطلاق مسار سياسي لإنهاء الحرب – فقد ينجح في ترسيخ رواية النصر أمام الجمهور الأميركي.

أما إذا لم يتحقق مثل هذا التطور، فقد يبدأ عامل الزمن بالعمل ضده، وهو أمر قد يمتد تأثيره أيضًا إلى إسرائيل التي تعتمد بشكل كبير على الدعم الأميركي في إدارة هذا الصراع.

رأي الشارع

تشير استطلاعات الرأي داخل الولايات المتحدة إلى أن نحو 56% من الأميركيين يعارضون أي عمل عسكري أميركي مباشر ضد إيران. وتعكس هذه النسبة درجة ملحوظة من الحذر الشعبي تجاه الانخراط في حرب جديدة في الشرق الأوسط، خصوصًا إذا كانت مفتوحة الأفق أو غير واضحة الأهداف.

في ضوء هذه المعطيات، فإن النقاش الحقيقي حول مستقبل هذه الحرب لا يقتصر على توقيت انتهائها، بل يتجاوز ذلك إلى سؤال أكثر حساسية: ما الذي سيُعتبر نجاحًا قبل أن يبدأ الوقت نفسه بالتحول إلى عامل ضغط سياسي؟

يريد ترامب نصرًا كبيرًا يمكن تقديمه للأميركيين بوصفه إنجازًا تاريخيًا. لكن إذا استمرت الحرب، ولم تنهَر إيران، وواصلت أسعار الطاقة الارتفاع، وازداد الضغط من الرأي العام الأميركي، فقد تجد إسرائيل نفسها أمام مفارقة خطيرة: فالجبهة الأكثر تعقيدًا في هذه المواجهة قد لا تكون في طهران وحدها، بل في واشنطن أيضًا.

سماح عثمان

صحفية مصرية عملت بعدة مواقع وصحف وعضو نقابة الصحفيين المصريين

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال