19 يوليو 2026|القاهرة 28 °

كيف أحبط "جيش الفقراء" الإيراني نصر واشنطن العسكري وفرض معادلة ردع قاسية؟

في خضم التصعيد العسكري المتسارع بين أمريكا وحلفائها من جهة، وإيران ومحور حلفائها من جهة أخرى، تتزايد التحليلات الاستراتيجية التي تحاول قراءة طبيعة التوازن العسكري الحقيقي في هذه المواجهة.

بقلم: عمرو المصري
١١ مارس ٢٠٢٦
7 دقائق قراءة
36 مشاهدة
صورة متداولة على منصات التواصل للصواريخ الإيرانية بصورتين للشهيدين القائدين حسن نصر الله ويحيى السنوار

صورة متداولة على منصات التواصل للصواريخ الإيرانية بصورتين للشهيدين القائدين حسن نصر الله ويحيى السنوار

في خضم التصعيد العسكري المتسارع بين أمريكا وحلفائها من جهة، وإيران ومحور حلفائها من جهة أخرى، تتزايد التحليلات الاستراتيجية التي تحاول قراءة طبيعة التوازن العسكري الحقيقي في هذه المواجهة. وبينما ركزت الدعاية الغربية لسنوات على تصوير إيران كقوة عسكرية محدودة الإمكانات، بدأت الحرب الأخيرة تكشف عن بنية ردع معقدة استطاعت طهران من خلالها تعطيل أهداف الحرب الأمريكية ومنع تحقيق نصر حاسم.

ويرى الباحث الهندي زوراور دولت سينغ، وهو مؤلف ومؤرخ وخبير في الشؤون الاستراتيجية مقيم في نيودلهي بالهند، أن طبيعة الجغرافيا الإيرانية، إلى جانب تطور صناعاتها العسكرية المحلية، أسهما في بناء نموذج ردع غير تقليدي يعتمد على القدرة على إيقاع العقاب بالخصوم أكثر من الاعتماد على التفوق التقليدي في القوة العسكرية.

ويعد سينغ من الباحثين البارزين في مجال العلاقات الدولية والدراسات الجيوسياسية في آسيا.

ويشغل سينغ موقع الشريك المؤسس لجامعة نورثكاب الخاصة في ولاية هاريانا الهندية، كما يعمل زميلًا مساعدًا في معهد الدراسات الصينية، أحد أقدم مراكز الفكر في نيودلهي، وهو أيضًا عضو في المجلس الاستشاري للمركز الدولي الهندي. وقد سبق أن عمل زميلًا في مركز أبحاث السياسات، ويحمل درجة الدكتوراه في العلاقات الدولية من كلية كينغز في لندن، إضافة إلى درجة الماجستير من مدرسة الدراسات الدولية المتقدمة بجامعة جونز هوبكنز.

جيش الفقراء

وصف سينغ، في تحليل نشره على حسابه بمنصة "إكس"، الجيش الإيراني بأنه ما يُعرف بـ"جيش الفقراء"، وهو توصيف لا يشير إلى ضعف عسكري بقدر ما يعكس طبيعة العقيدة القتالية التي اعتمدتها طهران خلال العقود الماضية. فإيران طورت بنية عسكرية مصممة خصيصًا لفرض معادلة الردع بالعقاب في مواجهة قوى كبرى تفوقها تكنولوجيًا.

ووفق سينغ، تقوم هذه العقيدة على امتلاك قوة انتقامية كافية وقادرة على البقاء بعد الضربة الأولى، بحيث تتمكن من توجيه رد مؤلم لأي قوة تحاول مهاجمتها. ويشير محللون إلى أن هذا النمط من الردع لا يحتاج إلى جيوش ضخمة أو منصات قتالية باهظة الثمن بقدر ما يعتمد على القدرة على إلحاق خسائر كبيرة بالخصم.

إيران والجغرافيا الحصينة

قال سينغ إن تلعب الجغرافيا الإيرانية دورًا مركزيًا في هذه المعادلة الدفاعية. فالتضاريس الجبلية الواسعة والعمق الجغرافي الكبير للبلاد جعلا من الصعب على أي قوة خارجية تنفيذ هجوم جوي واسع النطاق قادر على شل المجمع الصناعي العسكري الإيراني.

كما أن طهران عملت لعقود على توزيع منشآتها العسكرية والصناعية في مناطق متعددة، بعضها محصن تحت الأرض، ما يعزز قدرتها على الصمود أمام الضربات الجوية المكثفة. ويؤكد محللون أن هذه البنية الدفاعية تجعل تدمير القدرات العسكرية الإيرانية بالكامل مهمة شبه مستحيلة عبر القصف الجوي وحده.

ردع الغزو البري

شدد الباحث الهندي على أنه إلى جانب قدراتها الصاروخية، تمتلك إيران أيضًا قوة برية كافية لردع أي محاولة لغزو بري واسع النطاق شبيه بإنزال نورماندي الذي نفذته قوات الحلفاء في الحرب العالمية الثانية. فالقوات البرية الإيرانية، المدعومة بشبكات دفاعية واسعة، قادرة على تحويل أي حرب برية إلى حرب استنزاف مكلفة للغاية.

ولا يقتصر تأثير هذه القوة على الأراضي الإيرانية فقط، بل تمتد قدرتها إلى فرض كلفة باهظة على الدول المجاورة التي قد تفكر في الانضمام إلى أي حملة عسكرية برية ضدها. وهذا ما يجعل أي سيناريو لغزو بري لإيران خيارًا بالغ الخطورة من الناحية العسكرية والسياسية.

دروس حرب أوكرانيا

أشار سينغ إلى التجربة القتالية في الحرب الأوكرانية التي أدت إلى تحولات عميقة في طبيعة الحروب الحديثة، خاصة مع ما يُعرف بشفافية ساحة المعركة وقدرات الضربات الدقيقة بعيدة المدى. فهذه التطورات جعلت المنصات العسكرية الباهظة الثمن والقواعد الأمامية عرضة للاستهداف بسهولة أكبر خلال الحروب الطويلة.

ويرى سينغ أن هذه الدروس أثرت في الحسابات العسكرية الأمريكية، حيث يبدو أن واشنطن باتت أكثر حذرًا في نشر قواتها ومنصاتها المتقدمة في مناطق قريبة من إيران. وتشير مؤشرات ميدانية إلى أن الولايات المتحدة سحبت جزءًا من قدراتها العسكرية إلى قواعد جوية تابعة لحلف شمال الأطلسي بعيدة نسبيًا، بعضها في بريطانيا.

إعادة التموضع الأمريكي

في السياق ذاته، نوّه سينغ أن البحرية الأمريكية باتت تتحرك على مسافات أبعد من الخليج العربي، في محاولة للبقاء خارج مدى القدرات الصاروخية والبحرية الإيرانية القائمة على البر. ويعكس هذا التحول إدراكًا متزايدًا داخل المؤسسات العسكرية الأمريكية لحجم المخاطر التي قد تتعرض لها القطع البحرية في حال الاقتراب من السواحل الإيرانية خلال حرب مفتوحة.

كما لفت سينغ إلى أن هذا السلوك يعكس نجاحًا نسبيًا لإيران في فرض كلفة عسكرية مرتفعة على القوات الأمريكية، وهو ما قد يدفع واشنطن إلى إعادة تقييم أهدافها الاستراتيجية في الصراع.

كلفة المواجهة

بحسب سينغ، السؤال المطروح الآن هو ما إذا كانت إيران قد نجحت بالفعل في فرض كلفة كافية على الولايات المتحدة وحلفائها لتهيئة الظروف نحو خفض التصعيد. هذا السؤال يبقى مطروحًا بالدرجة الأولى في واشنطن وتل أبيب، حيث يجري تقييم نتائج الحرب على ضوء الأهداف التي وضعتها الإدارة الأمريكية في بدايتها.

لكن ما يبدو واضحًا حتى الآن، وفق عدد من المحللين، هو أن إيران تمكنت من منع تحقيق نصر أمريكي واضح في الأهداف الرئيسية للحرب، وهو ما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الصراع تقوم على إعادة ضبط قواعد الاشتباك.

معضلة السلاح النووي

ورغم ذلك، بيّن سينغ أن أحد الدروس الأساسية التي قد تستخلصها إيران من هذه المواجهة هو أن غياب السلاح النووي أو مظلة نووية من قوة كبرى يترك البلاد عرضة لاحتمال تكرار حرب استنزاف وجودية في المستقبل.

ففي ظل النظام الدولي القائم، تبقى القدرات النووية أو الضمانات النووية من قوة عظمى أحد أهم أدوات الردع الاستراتيجي التي تمنع اندلاع حروب شاملة ضد الدول المستهدفة.

هندسة أمنية جديدة

وفي ضوء هذه المعطيات، يطرح سينغ سؤالًا أوسع يتعلق بمستقبل النظام الأمني في غرب آسيا، ومدى إمكانية بناء منظومة أمنية إقليمية شاملة تراعي المصالح الأمنية المشروعة لجميع الأطراف، بما في ذلك إيران ودول الجوار.

وأضاف أن مستقبل الاستقرار في المنطقة سيتوقف إلى حد كبير على قدرة القوى الإقليمية والدولية على صياغة بنية أمنية جديدة أكثر شمولًا، بدلًا من الاعتماد على سياسات العزل والصدام العسكري المستمر.

عمرو المصري

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

كيف أحبط "جيش الفقراء" الإيراني نصر واشنطن العسكري وفرض معادلة ردع قاسية؟ - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°