حذرت منظمة الصحة العالمية، التابعة للأمم المتحدة، في بيان شديد اللهجة أصدرته اليوم الأربعاء، من أن الصراع العسكري الدامي الذي بدأ بالهجمات الأمريكية والإسرائيلية على إيران قبل أن تتسع رقعته لتشمل أنحاء مختلفة من المنطقة، قد شكل ضغطاً هائلاً وغير مسبوق على الأنظمة الصحية الوطنية.
وأوضحت المنظمة أن القطاعات الطبية في الشرق الأوسط تواجه حالياً خطر الانهيار الكامل نتيجة التزايد الانفجاري في أعداد الإصابات وحالات النزوح الجماعي، فضلاً عن النقص الحاد في الكوادر والمستلزمات الطبية الضرورية.
وما يزيد من قتامة المشهد هو استمرار الهجمات العسكرية المتعمدة أو العشوائية التي تطال المراكز الصحية والمستشفيات، مما جعل تقديم الرعاية الطبية للمصابين والمدنيين مهمة شبه مستحيلة في ظل تساقط القذائف وانقطاع سلاسل التوريد الدوائية، وهو ما يضع ملايين الأرواح على حافة الخطر في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي شهدها القرن الحادي والعشرين.
نزيف الأرقام في طهران وبيروت: إحصائيات مفجعة لضحايا العدوان والكوادر الطبية
كشفت منظمة الصحة العالمية عن أرقام مرعبة توثق حجم المأساة في كل من إيران ولبنان، حيث أكدت السلطات الصحية في طهران تسجيل أكثر من 1300 حالة وفاة ونحو 9 آلاف إصابة منذ بدء العمليات العسكرية في 28 فبراير الماضي. وفي لبنان، لم تكن الصورة أقل مأساوية، حيث سُجل ما لا يقل عن 570 حالة وفاة وأكثر من 1400 إصابة، وهي حصيلة مرشحة للارتفاع مع استمرار الغارات الجوية العنيفة.
إن هذه الأعداد الهائلة من الجرحى قد تجاوزت الطاقة الاستيعابية لغرف العمليات ووحدات العناية المركزة، مما اضطر الأطقم الطبية للمفاضلة بين المرضى في ظل نضوب مخزونات الأوكسجين والمحاليل الوريدية وأدوية التخدير.
إن هذا التدفق البشري من المصابين، والذين يعانون في معظمهم من حروق باليستية وإصابات ناتجة عن تهدم المباني، قد حول المستشفيات إلى ساحات مواجهة إنسانية تفوق قدرة البشر على التحمل، خاصة مع استمرار نزيف الأرواح داخل أروقة المشافي نتيجة العجز عن توفير التدخل الجراحي السريع.
استهداف المسعفين والمرافق: خرق صارخ للقانون الدولي الإنساني في ساحات الحرب
سجلت المنظمة الدولية نمطاً خطيراً وممنهجاً لاستهداف مرافق الرعاية الصحية، حيث تعرضت إيران لـ 18 هجوماً مباشراً على منشآت طبية منذ نهاية فبراير، مما أسفر عن مقتل 8 من الكوادر الطبية العاملة في خطوط المواجهة الأولى.
وفي لبنان، كان الوضع أكثر سوءاً من الناحية اللوجستية، حيث أدت 25 هجوماً على مرافق الرعاية الصحية إلى ارتقاء 16 شهيداً من المسعفين والممرضين وإصابة 29 آخرين.
وأكدت المنظمة أن هذه الهجمات لا تقتصر فقط على إزهاق أرواح من كرسوا أنفسهم لإنقاذ الآخرين، بل هي طعنة في قلب المجتمعات المحلية التي تُحرم فجأة من الملاذ الطبي الوحيد المتبقي لها في أحلك الظروف. إن قصف سيارات الإسعاف ومنع المسعفين من الوصول إلى مناطق النزاع يمثل انتهاكاً صارخاً لاتفاقيات جنيف والقانون الدولي الإنساني، ويحول المنشآت الطبية من مراكز للحياة إلى أهداف عسكرية، مما يفاقم من حالة الذعر بين المدنيين الذين باتوا يخشون التوجه للمستشفيات خوفاً من الاستهداف الجوي.
حرمان المجتمعات من الرعاية: التداعيات طويلة الأمد لتدمير البنية التحتية الصحية
شددت منظمة الصحة العالمية على أن تدمير المراكز الصحية لا تنتهي آثاره بانتهاء القصف، بل يمتد ليخلق فراغاً علاجياً قاتلاً للمرضى الذين يعانون من أمراض مزمنة مثل السرطان والسكري والفشل الكلوي.
ففي ظل الحرب الحالية، تعطلت برامج التطعيم الوطنية وخدمات رعاية الأمومة والطفولة، مما يمهد الطريق لانتشار الأوبئة والأمراض المعدية بين مخيمات النازحين المكتظة.
إن فقدان مستشفى واحد في منطقة نائية يعني حرمان آلاف العائلات من حقها الأساسي في الصحة، وهو ما وصفته المنظمة بالضرر المستدام الذي سيستغرق سنوات طويلة لترميمه وإن توقف غرف غسيل الكلى ومراكز القلب نتيجة انقطاع الكهرباء واستهداف المولدات الخاصة بالمستشفيات قد تسبب بالفعل في وفيات "صامتة" لم تدرج في إحصائيات القصف المباشر، لكنها تظل نتاجاً حتمياً لهذا الصراع الذي سحق المنظومات الخدمية تحت عجلات الآلة العسكرية المتغولة.










