أفاد مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، الدكتور إسماعيل الثوابتة، اليوم الخميس، بأن الإمدادات الإغاثية والغذائية إلى قطاع غزة شهدت تراجعاً حاداً وخطيرأً نتيجة القيود الممنهجة التي تفرضها سلطات الاحتلال الإسرائيلي على المعابر.
وأوضح الثوابتة في تصريحات وفقا لوكالة الأناضول أن المعابر لم تعمل خلال الفترة الماضية إلا بشكل محدود للغاية، حيث لم يستقبل القطاع سوى 640 شاحنة مساعدات فقط من أصل 6000 شاحنة كان من المفترض دخولها وفق التفاهمات الإقليمية القائمة، وهو ما يعني أن نسبة ما دخل لا تتجاوز 10% من الاحتياج الفعلي للسكان.
إن هذا التقليص المتعمد يضع أكثر من 2.4 مليون فلسطيني أمام كارثة إنسانية متجددة، ويفاقم من تبعات حرب الإبادة الجماعية التي استمرت عامين ودمرت نحو 90% من البنية التحتية المدنية، مما يجعل الاعتماد على المساعدات الخارجية خياراً وحيداً للبقاء على قيد الحياة في ظل انعدام الموارد المحلية.
شلل القطاعات الحيوية: أزمة الوقود وغاز الطهي تهدد المستشفيات والخدمات البلدية
لا تتوقف الأزمة عند حدود الغذاء، بل تمتد لتضرب شريان الطاقة الذي تعتمد عليه كافة المرافق الحيوية في القطاع، حيث كشف الدكتور الثوابتة أن غزة لم تستقبل سوى 1081 شاحنة وقود من أصل 7400 شاحنة كان يفترض إدخالها، بنسبة التزام لا تتجاوز 14%. هذا النقص الحاد أدى إلى تعطل محطات ضخ المياه ومعالجة الصرف الصحي، مما ينذر بكارثة بيئية وصحية وشيكة، كما اضطرت البلديات إلى تقليص عمليات جمع النفايات وتشغيل الآبار. والأخطر من ذلك هو توقف إدخال غاز الطهي بشكل كامل، مما تسبب في أزمة حادة مست الاستخدامات المنزلية والخدماتية، فضلاً عن التأثير المباشر على القطاع الصحي والمستشفيات التي تعتمد بشكل كلي على المولدات الكهربائية لتشغيل غرف العمليات والعناية المركزة، مما يضع حياة آلاف المرضى والجرحى على المحك في ظل استمرار سياسة المنع الإسرائيلية.
انهيار الأسواق المحلية: الغلاء الفاحش وتآكل القدرة الشرائية لسكان القطاع
انعكس تراجع الإمدادات بشكل مباشر وفوري على حركية الأسواق المحلية في غزة، حيث سجلت أسواق الخضروات والمواد الغذائية والمجمدات نقصاً هائلاً في الكميات المعروضة نتيجة إغلاق المعابر.
وأدى هذا النقص المفتعل إلى ارتفاع ملحوظ وغير مسبوق في الأسعار، في وقت يعاني فيه السكان من انهيار كامل في قدرتهم الشرائية ووصول معدلات الفقر والبطالة إلى مستويات قياسية بعد عامين من الدمار.
وحذر الثوابتة من أن استمرار هذه القيود يهدد الأمن الغذائي لأكثر من 1.5 مليون شخص بشكل مباشر، حيث باتت الوجبات الأساسية بعيدة منال الكثير من العائلات النازحة. إن هذا النمط المتكرر من عدم الالتزام بالتفاهمات المتعلقة بتسهيل إدخال المساعدات، يثبت أن الاحتلال يستخدم سلاح الجوع كأداة ضغط سياسي وعسكري، متجاهلاً كافة النداءات الدولية الداعية لحماية المدنيين وتوفير احتياجاتهم الضرورية.
بين الهدنة الهشة والخروقات الميدانية: واقع غزة بعد اتفاق 10 أكتوبر 2025
تأتي هذه الأزمة الإنسانية في وقت يواصل فيه الجيش الإسرائيلي تنفيذ خروقات يومية لاتفاق وقف إطلاق النار الساري منذ 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، حيث أفادت المصادر الفلسطينية باستشهاد 648 فلسطينياً وإصابة 1728 آخرين منذ بدء سريان الهدنة وحتى مطلع الأسبوع الجاري.
هذه الخروقات، التي تشمل القصف المدفعي وإطلاق النار المباشر، تتزامن مع الحصار الاقتصادي لتعميق جراح القطاع الذي فقد أكثر من 72 ألف شهيد ونحو 172 ألف جريح خلال عامي الإبادة. وتظهر بيانات حركة الشاحنات أن إجمالي ما دخل غزة منذ بدء التفاهمات بلغ 36 ألفاً و720 شاحنة فقط، من أصل 88 ألفاً و800 شاحنة كانت مقررة، بنسبة التزام إجمالية لم تتجاوز 41%، مما يشير إلى تعثر متعمد وممنهج في تدفق الإمدادات الإنسانية والتجارية يهدف إلى إبقاء غزة في حالة استنزاف دائم يمنع إعادة الإعمار أو الاستقرار.
في الختام، يضع المكتب الإعلامي الحكومي المجتمع الدولي والأمم المتحدة أمام مسؤولياتهم القانونية والأخلاقية تجاه استمرار "حرب الجوع" التي يمارسها الاحتلال ضد المدنيين في غزة.
إن الصمت تجاه تقليص المساعدات لنسبة 10% يمنح الضوء الأخضر لاستكمال فصول الإبادة بوسائل أخرى غير القصف الجوي. ويتطلب الموقف الراهن تحركاً فورياً للضغط على سلطات الاحتلال لفتح كافة المعابر وضمان تدفق الوقود وغاز الطهي والمواد الغذائية دون قيود أو شروط، بما يتناسب مع الاحتياجات الفعلية للسكان. وبدون ذلك، ستظل غزة تواجه خطر الموت جوعاً أو مرضاً، في ظل تعطل المرافق الصحية والخدمية، مما يستوجب تفعيل آليات الرقابة الدولية على الاتفاقات الموقعة لضمان التزام الاحتلال بها وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من حياة ملايين الأبرياء في القطاع المنكوب.










