تتجه أنظار المستثمرين وصناع القرار الاقتصادي حول العالم إلى يوم الأربعاء المقبل، حيث يستعد مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي لإصدار قراره المفصلي بشأن أسعار الفائدة على الدولار المتداول في القطاع المصرفي.
وتأتي هذه الاجتماعات في توقيت شديد الحساسية، إذ تشير معظم التوقعات الاقتصادية إلى اتجاه الفيدرالي للإبقاء على مستويات الفائدة الحالية التي تتراوح ما بين 3.5% و3.75% دون أي تغيير يذكر.
ويعود هذا التوجه الحذر إلى استمرار الضغوط التضخمية الناتجة بشكل مباشر عن الارتفاعات الملحوظة في أسعار الطاقة العالمية، وهي الارتفاعات التي أججتها وتيرة الصراع العسكري والتوترات القائمة في إيران، مما خلق حالة من عدم اليقين في سلاسل الإمداد الدولية وألقى بظلاله على تكاليف الإنتاج والاستهلاك في الولايات المتحدة.
ضغوط الإدارة الأمريكية واهتزاز استقلالية البنك المركزي
لا تقتصر التحديات التي تواجه البنك المركزي الأقوى عالمياً على العوامل الاقتصادية البحتة، بل تمتد لتشمل صراعاً سياسياً محتدماً داخل أروقة واشنطن.
وتراقب الأسواق المالية بقلق تزايد محاولات الإدارة الأمريكية الحالية للتأثير المباشر على قرارات السياسة النقدية، وهو ما يتنافى مع مبدأ استقلالية البنك المركزي التاريخي. وتتجسد هذه التوترات في الهجمات الكلامية والانتقادات اللاذعة التي يوجهها الرئيس دونالد ترامب لجيروم باول، رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، معاتباً إياه على عدم الإقدام على خفض حاد لأسعار الفائدة لدعم النمو الاقتصادي. وتزداد الأمور تعقيداً مع اقتراب نهاية ولاية باول في مايو المقبل، وبدء تحقيقات جنائية ضده، فضلاً عن المساعي السياسية الرامية لإقالة محافظ البنك المركزي "ليزا كوك"، مما يضع المؤسسة النقدية في حالة من الارتباك الإداري غير المسبوق.
عهد "كيفن وارش" المرتقب وتحديات بناء الإجماع
في ظل هذه الأجواء المشحونة، يبرز اسم "كيفن وارش" كمرشح محتمل لتولي رئاسة الفيدرالي خلفاً لباول، بشرط حصوله على مصادقة مجلس الشيوخ.
وبحسب تقرير تحليلي صادر عن وحدة البحوث الاقتصادية في بنك الكويت الوطني، فإن وارش سيواجه جبلين من التحديات؛ الأول يكمن في قدرته على حشد أعضاء لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية للموافقة على توجهاته، والثاني هو استعادة ثقة الأسواق التي تنظر بريبة إلى خلفيته.
ويرى خبراء بنك الكويت الوطني أن آراء وارش السابقة، والتي انتقد فيها سياسات الفيدرالي وطالب بخفض حاد لأسعار الفائدة مع تغييرات جذرية في هيكلية المجلس، قد تكون عائقاً أمام بناء توافق داخلي، خاصة وأن رغبته في تقليص الميزانية العمومية للبنك قد تصطدم بمعارضة قوية من الأعضاء التقليديين الذين يفضلون التدرج في التغيير.
التضخم المستعصي ومعضلة الـ 2%
على الصعيد الرقمي، أظهرت أحدث البيانات الاقتصادية أن معدل التضخم السنوي في الولايات المتحدة سجل نسبة 2.4% خلال شهر فبراير 2026، وهي نفس النسبة المسجلة في يناير السابق، مما يعكس حالة من الثبات رغم محاولات التبريد النقدي.
ورغم أن هذه النسبة تعد الأدنى منذ مايو 2025 وتتماشى مع توقعات المحللين، إلا أنها لا تزال تمثل صداعاً مزمناً لصناع السياسة النقدية، لكونها تبتعد بوضوح عن المستهدف الرسمي للفيدرالي والبالغ 2%.
هذا الفارق، وإن بدا ضئيلاً، يمنع الفيدرالي من اتخاذ خطوات تيسيرية جريئة، خوفاً من عودة التضخم للانفلات مرة أخرى، خاصة مع استمرار تقلبات أسعار النفط والغاز الناجمة عن التوترات في منطقة الشرق الأوسط وتحديداً الجبهة الإيرانية، مما يجعل قرار الأربعاء المقبل بمثابة رقصة دقيقة على حبل مشدود بين دعم الاقتصاد ومحاربة الغلاء.










