"هدفنا أن تصبح المملكة نموذجًا رائدًا في العالم على جميع الأصعدة" الأمير محمد بن سلمان. حين يُقاس نجاح القادة، فإن الاقتصاد هو المعيار الأكثر صلابة، على مقياس النمو المستدام، وتنوع القاعدة الإنتاجية، واستقرار المالية العامة، وقدرة الدولة على جذب الاستثمارات، كلها مؤشرات لا تقبل الإنشاء البلاغي ولا المجاملة السياسية. وبحلول مطلع عام 2026، يمكن قراءة التجربة الاقتصادية السعودية خلال السنوات التسع الماضية باعتبارها واحدة من أعمق عمليات إعادة الهيكلة الاقتصادية في تاريخ المنطقة.
أولًا: التحول من اقتصاد نفطي إلى اقتصاد متعدد الركائز، فقبل إطلاق رؤية 2030، كانت مساهمة الأنشطة غير النفطية تدور حول 40–45% من الناتج المحلي، واليوم، تجاوزت مساهمتها وفق البيانات الرسمية الأخيرة 50–56 % من الناتج المحلي الإجمالي، وهو تحول هيكلي يعكس نجاح استراتيجية التنويع.
وبالتالي فإن المؤشرات الرئيسة حتى 2025 وبدايات 2026، تثبتُ أن الناتج المحلي الإجمالي (بالأسعار الجارية) يتجاوز 4 تريليونات ريال. ساهم فيه القطاع غير النفطي بأكثر من نصف الناتج، مع نمو الأنشطة غير النفطية فيما بين 4% و5% سنويًا في المتوسط، أما الصادرات غير النفطية فقد سجلت مستويات قياسية مقارنة بما قبل 2016، وبالتالي فإن هذا التحول لم يكن ظرفيًا نتيجة أسعار النفط، بل نتيجة توسع قطاعات كُبرى مثل (السياحة والخدمات اللوجستية والتعدين والصناعات التحويلية والاقتصاد الرقمي والصناعات العسكرية).
ثانيًا: صندوق الاستثمارات العامة… الذراع الاستراتيجية، وهو أحد أهم أدوات التحول الاقتصادي الذي ارتفعت أصوله من أقل من 600 مليار ريال قبل الرؤية إلى ما يناهز 3 تريليونات ريال تقريبًا، واليوم يقود الصندوق مشاريع الجيجا العملاقة (نيوم، البحر الأحمر، القدية، الدرعية)، ويستثمر عالميًا في قطاعات التقنية والطاقة المتجددة، كما يستهدف رفع أصوله إلى ما يقارب 4–5 تريليونات ريال قبل 2030.
وبالتالي فإن دور الصندوق لم يعد استثماريًا فقط، بل تحفيزيًا للاقتصاد المحلي عبر توطين سلاسل الإمداد ودعم الصناعات الجديدة وجذب شركات عالمية لنقل مقراتها الإقليمية إلى الرياض، علماً بأن عدد الشركات العالمية التي نقلت مقراتها الإقليمية إلى المملكة قد تجاوز600 شركة.
ثالثًا: مقارنة دولية… أين تقف السعودية؟. اقتصاد المملكة اليوم هو الأكبر عربيًا، وضمن أكبر 20 اقتصادًا عالميًا، وعضو مؤثر في مجموعة العشرين، وتتفوق من حيث الاستقرار المالي على العديد من اقتصادات أمريكا اللاتينية، وتمتلك واحدة من أكبر الميزانيات الحكومية في المنطقة، ومشاريع استثمارية تتجاوز قيمتها التريليونات (رؤية 2030 تقدر برامجها بأكثر من 2 تريليون دولار استثمارات طويلة الأجل)، بل وإذا قارناها بالاقتصادات الناشئة الكبرى، فهي تمتلك احتياطيات وسياسات مالية أكثر تحفظًا من بعض الاقتصادات الأوروبية المثقلة بالديون، والأسرع في تنفيذ المشاريع الضخمة مقارنة بعدد من اقتصادات آسيا الناشئة. جدول (1).
رابعًا: التحول الاجتماعي الاقتصادي لا يُقاس بالناتج فقط، بل بقدرته على خلق الوظائف وفق أبرز المؤشرات مثل: (انخفاض معدل البطالة إلى حدود 7 %محققًا مستهدف الرؤية قبل موعده، وارتفعت مشاركة المرأة في سوق العمل إلى أكثر من 33 %، مع نمو ملحوظ في وظائف القطاعات غير التقليدية (السياحة، التقنية، الترفيه)، كما تجاوزت نسبة تملك المساكن للأسر السعودية %65وهو مؤشر اقتصادي واجتماعي مهم يعكس تحسن القوة الشرائية والاستقرار الأسري.
خامسًا: الاستقرار المالي والانضباط النقدي حيثُ حافظت المملكة رغم التقلبات العالمية على سياسة مالية متوازنة بين الإنفاق الرأسمالي والانضباط، فانخفض معدل التضخم نسبيًا مقارنة بدول مجموعة العشرين، كما أن المملكة تمتلك احتياطيات قوية ودين عام ضمن مستويات آمنة مقارنة بحجم الاقتصاد (نحو 25–30% من الناتج تقريبًا). وعلى صعيد التصنيفات الائتمانية، تحافظ المملكة على درجات ائتمانية مستقرة مدعومة بقوة مركزها المالي واحتياطياتها.
سادسًا: بيئة الأعمال والاستثمار الأجنبي، حيثُ شهدت المملكة إصلاحات تشريعية غير مسبوقة في أنظمة الاستثمار الجديد ونظام الإفلاس، وعمل على تحديث أنظمة الشركات وتسهيل التملك الأجنبي حتى إطلاق المناطق الاقتصادية الخاصة.
أما الاستثمار الأجنبي المباشر، فقد تضاعف رصيد الاستثمار الأجنبي مقارنة بفترة ما قبل الرؤية، إذ تجاوز900 مليار ريال رصيدًا تراكميًا، بتدفقات سنوية وصلت إلى نحو 20–25 مليار دولار في السنوات الأخيرة، والهدف المعلن هو أن تصبح المملكة من بين أكبر 10 اقتصادات جذبًا للاستثمار عالميًا. جدول (2).
سابعًا: القطاعات المُستقبلية… ما بعد النفط كانت للسياحة الغلبة حيث كان هدف الوصول إلى 100+ مليون زيارة سنويًا، وقد تم تجاوز مستهدفات مبكرة في عدد السياح، أما التعدين فتقدّر الثروات المعدنية بأكثر من 9 تريليونات ريال، ويُراد تحويل المملكة إلى مركز تعدين عالمي، وهنالك الصناعة العسكرية التي تم رفع التوطين فيها إلى 50% بحلول 2030. وأخيراً: التقنية والذكاء الاصطناعي باستثمارات ضخمة في مراكز البيانات والحوسبة السحابية، وسعي لأن تكون المملكة مركزًا إقليميًا للتقنيات المتقدمة جدول (3).
التوقعات المستقبلية
على المدى القريب (حتى 2027): سيكون بأمر الله هناك استمرار في نمو الأنشطة غير النفطية وتوسع في القطاع الصناعي والتقني (جدول (4)) مع زيادة تدفقات الاستثمار الأجنبي.
على المدى المتوسط (حتى 2030): سترتفع مساهمة القطاعات غير النفطية إلى مستويات أعلى من 60%، ومضاعفة مساهمة السياحة في الناتج، مع توسع في المدن الذكية والمناطق الاقتصادية الخاصة جدول (5).
على المدى البعيد: ستتحول المملكة إلى مركز مالي واستثماري إقليمي، وتثبيت مكانتها كأكبر اقتصاد في الشرق الأوسط بفارق واضح، اضافةً لتقليل الحساسية لتقلبات أسعار النفط.
وقفة تحليلية: التحول الاقتصادي السعودي ليس مجرد دورة نمو، بل إعادة بناء هيكلي شاملة، فما جرى خلال أقل من عقد، هو انتقال من نموذج ريعي تقليدي إلى نموذج تنموي مُتعدد المُحركات (يقوده الاستثمار، والصناعة، والسياحة، والتقنية، ورأس المال البشري). وقد يواجه الاقتصاد العالمي تحديات في السنوات المقبلة، لكن ما يميز التجربة السعودية هو الجمع بين:
- (إرادة سياسية واضحة - تمويل سيادي قوي - إصلاحات تشريعية عميقة - رؤية طويلة الأمد لا تتغير بتغير الدورة الاقتصادية)
"نفخر بما حققناه، وسنواصل المسير بثبات نحو أهدافنا" كلكمات من نور الأمين الأمير محمد بن سلمان، وما بين المقولة الأولى التي عبّرت عن الطموح، وهذه التي تؤكد الاستمرارية، يمكن قراءة قصة اقتصاد لا يكتفي بالنمو… بل يعيد تعريف موقعه في خريطة العالم. @drIbrahimgalal
جداول تحليلية
أولاً: الأداء الاقتصادي الكلي – مقارنة إقليمية ودولية 2024–2025 جدول (1):
|
المؤشر |
السعودية |
متوسط مجموعة العشرين |
متوسط الاتحاد الأوروبي |
متوسط الشرق الأوسط |
|
معدل النمو الاقتصادي 2024 |
1.3 % |
2.8 % |
0.9 % |
2.1 % |
|
مساهمة القطاع غير النفطي |
51 – 56 % |
— |
— |
38 % تقريبًا |
|
معدل التضخم |
1.7 % |
4.6 % |
5+ % |
3.2 % |
|
البطالة |
أدنى مستوى تاريخي |
— |
— |
— |
|
متوسط العمر المتوقع |
79 سنة |
78 سنة |
81 سنة |
75 سنة |
ثانياً: الاستثمار الأجنبي والبيئة الاستثمارية جدول (2):
|
المؤشر |
السعودية |
مقارنة إقليمية |
مقارنة أوروبية |
|
رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر |
900 مليار ريال (240 مليار دولار) |
الأعلى خليجيًا |
يوازي بعض اقتصادات شرق أوروبا |
|
عدد الشركات العالمية المنقولة مقراتها |
600+ شركة |
الأعلى في المنطقة |
يفوق دول شرق المتوسط |
|
التراخيص الاستثمارية الجديدة |
14,454 ترخيصًا في عام واحد |
نمو استثنائي |
أعلى من عدة دول أوروبية متوسطة |
|
إجمالي التراخيص الفعالة |
40,000+ ترخيص |
توسع قياسي |
— |
ثالثاً: مؤشرات التقنية والذكاء الاصطناعي جدول (3):
|
المؤشر |
السعودية |
الترتيب عالميًا |
|
المؤشر العالمي للذكاء الاصطناعي |
المركز 14 عالميًا |
الأول عربيًا |
|
استراتيجية الحكومة للذكاء الاصطناعي |
الأولى عالميًا |
— |
|
استثمارات الذكاء الاصطناعي (عامين) |
28.3 مليار دولار |
من الأعلى في الأسواق الناشئة |
|
وفر “النفاذ الوطني” الحكومي |
2 مليار ريال |
— |
|
وفر للأفراد عبر السمات الحيوية |
800 مليون ريال |
— |
|
دقائق وفرها تطبيق “نفاذ” |
5 مليارات دقيقة |
— |
|
تقليل الرحلات اليومية |
260 ألف رحلة يوميًا |
أثر بيئي مباشر |
رابعًا: الاستثمارات الصناعية 2025–2026 جدول (4):
|
المشروع |
حجم الاستثمار |
بدء الإنتاج |
|
مصنع هيونداي |
1.8 مليار ريال (488 مليون دولار) |
2026 |
|
مصنع بيريللي للإطارات |
2 مليار ريال |
2026 |
|
شركة “آلات” (تقنية متقدمة) |
استثمارات بمليارات الدولارات عبر PIF |
تدريجي |
|
مجمع الملك سلمان للسيارات |
مركز إقليمي استراتيجي |
قيد التنفيذ |
خامساً: البنية التحتية وجودة الحياة
مشاريع نوعية وتأثيرها الاقتصادي جدول (5)
|
المشروع |
القيمة |
الأثر المتوقع |
|
تطوير طرق الرياض |
13 مليار ريال |
500 كم شبكة |
|
خريطة العمارة السعودية |
+8 مليار ريال للناتج |
34 ألف وظيفة |
|
الإسكان التنموي (تبرع شخصي) |
1 مليار ريال |
تسليم خلال 12 شهر |
|
استثمارات أمريكية مشتركة |
270 مليار دولار |
شراكة استراتيجية |
سادساً: مقارنة عامة مع المنطقة وأوروبا ومؤشرات التفوق النسبي جدول (6)
|
المجال |
السعودية |
الخليج |
أوروبا |
|
التضخم |
الأقل خليجيًا |
أعلى |
أعلى بكثير |
|
الذكاء الاصطناعي |
الأولى عربيًا |
متأخرة |
متقدمة لكن أقل نموًا استثماريًا |
|
جذب المقرات |
الأعلى إقليميًا |
محدود |
مستقر |
|
الفعاليات العالمية |
إكسبو 2030 + كأس العالم 2034 |
— |
— |
|
الاستقرار المالي |
تصنيف قوي |
متفاوت |
ضغط ديون مرتفع |








