إسرائيل تحت وصاية ترامب| في ختام أسبوعين من تبادل كثيف للنار في ساحات متعددة، يمكن الآن إلقاء نظرة أعمق على مجريات الحرب، وتحديد الإنجازات العسكرية للكيان الإسرائيلي والدور الذي تلعبه فيها. على المستوى العسكري، تسجل الحرب بعض الإنجازات اللافتة، لا سيما في الجبهة الإيرانية، حيث قدّم الجيش الإسرائيلي أداءً يبعث على الفخر، خصوصًا عبر سلاح الجو الذي أظهر قدرة عالية على الضربات الدقيقة. غير أن الصورة أقل إشراقًا عند النظر إلى الجانب الاستراتيجي، إذ أخطأت إسرائيل وأمريكا في تقدير ردود النظام الإيراني و"حزب الله"، الذين ما زالا يحتفظان بقدراتهما على توجيه النار، ويبدوان أكثر صلابة بعد التجربة.
إن أبرز علامة على قوة النظام الإيراني كانت تعيين قيادات عليا جديدة، وهو ما أعطى الانطباع بأن النظام ليس في وضع ضعيف أو متردد، بل إنه قادر على الصمود واستعادة المنظومات التي تضررت خلال العمليات السابقة. ويشارك في هذا التحليل عدد من كبار الضباط في الجيش الإسرائيلي، ما يؤكد أن التقدير المشترك هو أن إيران و"حزب الله" قد يواصلان التصعيد وفق قدرتهم على الصمود وإعادة البناء.
إسرائيل بلا قيادة مستقلة
ولكن ما يكشفه الواقع بوضوح هو أن إسرائيل توجد في حرب لكنها لا تقودها بنفسها. فهي تسير في الظلام، متأثرة بشكل كامل بالقرارات الأمريكية، وتحديدًا بتوجيهات الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، الذي أصبح القائد الأعلى الفعلي لكل خطوة. تتجلى هذه السيطرة في كل مستوى من مستويات اتخاذ القرار: بدءًا من قائد سلاح الجو الذي لا يعرف ما إذا كان لديه يوم آخر أو أسبوع آخر لمهاجمة الأهداف الإيرانية، وصولًا إلى رئيس الأركان الذي يتعين عليه تخصيص القوات في لبنان دون أي وضوح حول المسافة المسموح بها للتقدم أو مدة استمرار العمليات.
في لبنان، يتضح الدور الأمريكي بشكل كامل: فالإدارة الأمريكية تتحكم في القرار بين جميع الأطراف، وتمارس ضغطًا شديدًا على إسرائيل لتجنب أي ضربة قد تمس الجيش اللبناني أو حكومته، بينما يسمح للقصف المستهدف في الضاحية المنكوبة، حيث تم التعامل مع منشآت الإنتاج العسكرية التي كانت مختبئة في الطوابق السفلية للأبراج السكنية.
حزب الله يتحدى إسرائيل
رغم كل الضغوط، يثبت "حزب الله" قدرته على الصمود والرد بقوة، موضحًا أنه ليس لديه ما يخسره، وأن اليأس يمكن أن يتحول إلى قوة فعالة في الحرب. فهو يفاجئ إسرائيل بإطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة إلى شمال البلاد، بما في ذلك حيفا والكريوت، مع تنسيق محكم مع إيران، خاصة في الليالي الأخيرة التي ركز فيها الإيرانيون على الشمال. هذا الواقع يوضح أن كل تقدير إسرائيلي يعتمد على عناصر غير مستقرة، وأن إسرائيل تجد نفسها عاجزة عن إضعاف الخصم رغم التفوق العسكري الظاهر.
شلل القيادة السياسية
صعود المستوى إلى طابق "البنت هاوس" و"الكابينت" يظهر شللاً تامًا في القيادة السياسية. لا توجد مداولات جدية حول أهداف الحرب أو نقطتها النهائية، ولا حتى التخطيط لما بعد العمليات العسكرية. الوزراء يتلقون تقارير جزئية بين الحين والآخر، مع التركيز على "البشائر الطيبة"، التي تُعرض لاحقًا على الإعلام لتغطية النقص في الفهم والتخطيط. وفي نهاية الحرب، ستسجل اللقاءات الصحافية مع المسؤولين مليئة بالأكاذيب والمبالغات.
نتنياهو وجلب ترامب
أبرز إنجاز استراتيجي حققه نتنياهو كان جلب ترامب إلى الحرب، وهو ما يؤكد أن إسرائيل لم تكن قادرة على خوض هذه الحرب بمفردها. التهديد الإسرائيلي المسبق بشن هجوم في مايو كان خدعة استراتيجية، تُستخدم الآن من قبل معارضي الحرب في أمريكا لتصوير إسرائيل كطرف مغوٍ وترامب كطرف متأثر. ومع ذلك، ومع دخول ترامب كقائد فعلي، انتهى دور نتنياهو الفعلي في إدارة الحرب، بخلاف تجربة رؤساء وزراء سابقين مثل بن غوريون وغولدا مئير، الذين قادوا حروبهم بشكل مباشر.
حتى الضغوط الرمزية التي مارسها نتنياهو، مثل إطلاق صواريخ مسيرة أثناء زيارة لقاعدة بلماحيم، لم تتجاوز كونها رمزية فقط، مؤكدًا أنه بعيد عن مركز اتخاذ القرار الحقيقي، حيث تتولى المنظومات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية العمل بشكل منسق، مع تركيز أمريكا على جنوب إيران والدفاع عن مضيق هرمز، بينما يركز الجيش الإسرائيلي على الغرب والشمال، مع إمدادات أمريكية للطائرات التي تمكنت من إلقاء عشرات آلاف القنابل في الأيام الأولى من العمليات.
سيطرة ترامب المطلقة
مع كل هذا، تتخذ القرارات في مكان واحد: البيت الأبيض. المكالمات اليومية بين نتنياهو وترامب تهدف لإبقاء إسرائيل في قلب اهتمام ترامب، بينما لا يشارك الرئيس الأمريكي ما يخطط له أو قراراته القادمة. هذا التذبذب ينسحب إلى الجيش الإسرائيلي، الذي يحاول التكيف مع تقلبات ترامب وعدم وضوح توجهاته، فيما يحاول بعض السياسيين الأمريكيين مثل ماركو روبيو تحديد أهداف عملية واضحة للحرب، لكن ترامب يغير كل شيء بشكل مفاجئ، سواء بإعلان تغيير النظام أو بوقف العمليات فجأة كما حدث في مارس الماضي مع الحوثيين وعمليات "الأسد الصاعد" في إيران.
القوة العسكرية مقابل فقدان السيادة
في هذا السياق، حصلت إسرائيل على قوة عسكرية غير مسبوقة بفضل التحالف مع ترامب، لكنها فقدت بذلك سيادتها الكاملة على قرار الحرب. المرة الوحيدة التي حاولت فيها إظهار استقلالها كانت الضربات على منشآت النفط الإيرانية، التي لاحظ الأمريكيون مسبقًا جزئياً، لكنهم لم يعرفوا حجم الضرر، وأوضحوا لإسرائيل حدود قوتها بشكل عملي.
في المحصلة، يظهر التحالف مع ترامب ثنائية واضحة: إسرائيل تمتلك قوة غير مسبوقة لكنها تخضع بالكامل للقرار الأمريكي، وتصبح حربها مرتبطة بمزاج الرئيس الأمريكي، مع فقدان القدرة على إدارة الحرب وفق مصالحها المباشرة.










