أكد الأكاديمي العراقي، الأستاذ الدكتور عبد الكريم الوزان، في تصريحات خاصة أدلى بها لموقع "180 تحقيقات"، أن الدولة العراقية باتت اليوم في وضع استراتيجي يحتم عليها البحث الفوري والجاد عن خيارات بديلة لتصدير النفط، مشدداً على أن هذه اللحظة التاريخية تعيد إلى الأذهان ذات الظروف القاسية التي عاشها العراق خلال حربه مع إيران في مطلع ثمانينيات القرن الماضي ، وأن إيران تمثل حالياً "عقدة إقليمية" معقدة في ظل مواجهتها مع قوى كبرى مثل الولايات المتحدة وإسرائيل، حيث يؤدي تضارب المصالح واختلاف الأيديولوجيات إلى اندلاع حروب تأخذ في طابعها الأول شكلاً اقتصادياً شرساً، وهو الجانب الأكثر حساسية وتأثيراً على حياة الشعوب.
النفط كمحرك وحيد للاقتصاد
يرى الدكتور الوزان أن الجانب الاقتصادي هو المحرك الفعال لكل دول العالم، وبالنسبة لمنطقة الخليج والعراق على وجه الخصوص، يمثل النفط شريان الحياة الوحيد، ومن هنا تبرز المعضلة الكبرى المتمثلة في الاعتماد شبه الكلي على مضيق هرمز كممر مائي حيوي، إذ بات هذا المضيق يمثل نقطة ضعف استراتيجية في حال تصاعدت وتيرة المواجهات العسكرية، وهو ما يستدعي بالضرورة إيجاد مسارات بديلة تتجاوز البحر، سواء عبر الجو وهو أمر مستحيل تقنياً لتصدير كميات ضخمة، أو عبر البر وهو المسار المليء بالمخاطر الأمنية واللوجستية نتيجة التهديدات المباشرة من الأطراف المتصارعة في المنطقة.
البدائل الاستراتيجية: الأردن، تركيا، وكردستان
طرح الأكاديمي العراقي مجموعة من البدائل التي يفترض بالعراق دراستها بعمق، ومن بينها تصدير النفط عبر إقليم كردستان، الذي يمتلك بنية تحتية تمكنه من نقل الخام بطرق اعتيادية نحو ميناء جيهان التركي، كما أشار إلى إمكانية تفعيل خطوط التصدير عبر الأردن كخيار بديل آخر ومع ذلك، لم يخفِ الوزان قلقه من أن هذه البدائل تظل "محفوفة بالمخاطر"، لأن الضربات الإيرانية باتت لا تستثني ساحة من الساحات، مما يعني أن العراق قد يجد نفسه محاصراً طاقوياً حتى في حال استخدامه لمنافذ دول الجوار، وهو ما يضع صانع القرار في بغداد أمام تحدي تأمين هذه الخطوط استراتيجياً.
استيراد الغذاء ووقف التنمية
حذر الدكتور عبد الكريم الوزان من أن الاقتصاد العراقي المنهك أصلاً نتيجة الحروب المتتالية لا يتحمل مزيداً من الصدمات، فالعراق تحول من بلد زراعي منتج إلى مستورد حتى للخضروات والفواكه، وهذا الخلل في الميزان التجاري يجعل الدولة رهينة لعائدات النفط بشكل مطلق.
وأكد الوزان أن أي تعثر في عمليات التصدير سيؤدي فوراً إلى وقف مشاريع التنمية الكبرى، بل وسيمتد الأثر ليشمل القطاعات الحيوية مثل التعليم العالي والجامعات، حيث ستعجز الدولة عن صرف مرتبات الأساتذة والعلماء والعاملين، مما يعني شللاً تاماً في حركة البحث العلمي والعملية التربوية، وهو ما يهدد بانهيار المنظومة الاجتماعية والعلمية للدولة.
سيناريوهات "الضرورة القصوى"
في ختام رؤيته، أوضح الوزان أن العراق قد يضطر في حالات الضرورة القصوى إلى استخدام "ناقلات النفط البرية" والشحن عبر الصهاريج كحل إسعافي لاستمرار التدفقات المالية، رغم ما يمثله ذلك من كلفة عالية وبطء في التوريد وإن الاعتماد على ميناء جيهان التركي عبر كركوك يظل هو الخيار الأكثر منطقية وتطبيقاً في الوقت الحالي، شريطة وجود توافقات سياسية تضمن عدم استهداف هذه الخطوط وإن العراق اليوم يواجه اختباراً حقيقياً لوجوده الاقتصادي، حيث لم تعد المسألة تتعلق بالربح والخسارة، بل بالقدرة على إطعام المواطنين وضمان استمرار المؤسسات التعليمية والخدمية في ظل حرب إقليمية لا ترحم الضعفاء.










