حذّرت صحيفة وول ستريت جورنال من أن الانقسام السياسي الحاد داخل الولايات المتحدة بشأن الحرب مع إيران قد يتحول إلى خطر مباشر على الأمن القومي الأمريكي. وفي مقال للكاتب ديفيد بويز، يرى أن الجدل الحزبي المتصاعد حول الصراع يهدد بإضعاف قدرة واشنطن على إدارة المواجهة مع طهران.
ويشير الكاتب إلى أن تحويل السياسة الخارجية إلى ساحة صراع داخلي بين الأحزاب قد يؤدي إلى إرباك القرار الاستراتيجي الأمريكي، خصوصًا في لحظة تواجه فيها الولايات المتحدة ما يصفه بالخطر الإيراني المتنامي. فبدل أن تكون السياسة الخارجية مجالاً لتوافق وطني واسع، أصبحت جزءًا من المعارك السياسية اليومية داخل واشنطن.
ويرى المقال أن هذا الانقسام الحاد قد يبعث رسائل ضعف إلى الخصوم الدوليين، ويقوض قدرة الولايات المتحدة على اتخاذ قرارات حاسمة في ملفات استراتيجية حساسة.
إجماع تاريخي قديم
يشير الكاتب إلى أن الرؤساء الأمريكيين المتعاقبين منذ عهد الرئيس الأمريكي بيل كلينتون، سواء من الحزب الجمهوري أو الحزب الديمقراطي، كانوا متفقين على مبدأ أساسي يتمثل في منع إيران من امتلاك سلاح نووي.
لكن رغم هذا الإجماع السياسي الطويل، يرى المقال أن الإدارات الأمريكية المتعاقبة لم تتخذ خطوات حاسمة كافية لتحقيق هذا الهدف. فقد ظلت السياسات الأمريكية تجاه إيران تتأرجح بين الضغوط السياسية والعقوبات الاقتصادية ومحاولات التفاوض، دون أن تنجح في إيقاف البرنامج النووي الإيراني بشكل كامل.
وبحسب الكاتب، فإن هذا التردد السياسي عبر سنوات طويلة ساهم في تعقيد المشكلة بدلاً من حلها، وترك الملف النووي الإيراني يتطور تدريجيًا دون مواجهة حاسمة.
قرار الحرب المحدودة
يرى الكاتب أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اتخذ في يونيو الماضي قرارًا بإطلاق عملية عسكرية محدودة تهدف إلى تعطيل البرنامج النووي الإيراني وردع طهران عن الاستمرار في تطويره.
ويشير المقال إلى أن هذا القرار جاء في سياق مخاوف متزايدة داخل واشنطن من التطور السريع في القدرات الصاروخية الإيرانية، سواء من حيث عدد الصواريخ أو مداها أو مستوى تطورها التقني.
وبحسب رؤية الكاتب، فإن العملية العسكرية لم تُطرح بوصفها حربًا شاملة، بل باعتبارها محاولة لوقف مسار عسكري واستراتيجي اعتبرته الإدارة الأمريكية تهديدًا متزايدًا لمصالح الولايات المتحدة وحلفائها.
تهديد يتسع جغرافياً
يزعم المقال أن عدم اتخاذ قرار عسكري في هذه المرحلة كان سيؤدي إلى تعقيد المشكلة في المستقبل. فالرئيس الأمريكي الذي سيأتي بعد ترامب، بحسب الكاتب، كان سيواجه تهديدًا أكبر وأكثر خطورة.
فالصواريخ الإيرانية التي تستهدف دول الجوار اليوم قد تصبح خلال سنوات قادرة على الوصول إلى مدن أوروبية كبرى مثل برلين أو لندن، وربما تصل لاحقًا إلى مدن أمريكية مثل نيويورك أو واشنطن.
ويرى الكاتب أن السيناريو الأخطر يتمثل في احتمال أن تكون تلك الصواريخ مزودة في المستقبل برؤوس نووية، وهو ما سيجعل التهديد أكثر خطورة وتعقيدًا على المستوى الدولي.
معارضة بلا بدائل
يعترف الكاتب بأن الحروب بطبيعتها مدمرة ومكلفة وغالبًا غير شعبية، وأنه لا يوجد طرف يرغب في خوضها إذا كان بالإمكان تجنبها. لكنه يرى في الوقت نفسه أن جزءًا من المعارضة الواسعة للعملية العسكرية الحالية لا يستند دائمًا إلى نقاش جاد حول البدائل الممكنة.
فبحسب المقال، فإن الولايات المتحدة جربت خلال العقود الماضية مختلف الوسائل للتعامل مع إيران، بدءًا من الحوار السياسي وصولًا إلى الضغوط الدبلوماسية والاتفاقات الدولية والعقوبات الاقتصادية.
لكن الكاتب يرى أن هذه الأدوات لم تنجح في تغيير السلوك الإيراني أو وقف تطور برنامجه النووي، وهو ما دفع بعض صناع القرار في واشنطن إلى الاعتقاد بأن الخيارات السلمية استُنفدت إلى حد كبير.
تيارات انعزالية متصاعدة
يرى المقال أن جزءًا من المعارضة لقرار الحرب يعود إلى صعود تيارات انعزالية داخل الحزب الجمهوري، إلى جانب تيارات سلمية داخل الحزب الديمقراطي.
وتعتقد هذه التيارات، بحسب الكاتب، أن الولايات المتحدة تستطيع تجاهل التهديدات التي تنشأ في مناطق بعيدة جغرافيًا عنها، وأن التدخل العسكري في الخارج يؤدي غالبًا إلى استنزاف القوة الأمريكية دون نتائج واضحة.
لكن الكاتب يرى أن هذا المنطق لم يعد واقعيًا في عصر الصواريخ البعيدة المدى والأسلحة النووية، حيث يمكن للتهديدات البعيدة جغرافيًا أن تتحول بسرعة إلى مخاطر مباشرة على الأراضي الأمريكية.
مسؤولية الاستقطاب السياسي
يقر الكاتب بأن الاستقطاب السياسي الحاد داخل الولايات المتحدة لا تتحمل مسؤوليته جهة واحدة فقط. فقيادات الحزب الجمهوري، بما في ذلك الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ساهمت بدورها في تعميق هذا الانقسام خلال السنوات الأخيرة.
ومع ذلك، يرى الكاتب أن هذا الواقع السياسي لا ينبغي أن يمنع الحزب الديمقراطي من دعم ما يصفه بجهد ضروري لمواجهة التهديد الإيراني.
ويختتم المقال بالتأكيد على أن تحويل قضايا الأمن القومي إلى أدوات للصراع الحزبي قد يضعف قدرة الولايات المتحدة على التعامل مع التحديات الدولية، ويجعل القرارات الاستراتيجية الكبرى رهينة حسابات السياسة الداخلية.










