تواصل سلطات الاحتلال الإسرائيلي لليوم السابع عشر على التوالي فرض إغلاق شامل ومطبق على المسجد الأقصى المبارك، مانعةً آلاف المصلين من الوصول إليه أو الصلاة في رحابه الطاهرة، وذلك تحت ذريعة الأوضاع الأمنية المتوترة والمرتبطة بالحرب الدائرة مع إيران.
حيث لم يشهد المسجد مثل هذا الحصار الطويل والمستمر منذ سنوات، مما أدى إلى حرمان الفلسطينيين من إحياء شعائر شهر رمضان المبارك داخل القبلة الأولى، وفي مشهد يجسد الإصرار والعقيدة الراسخة، اضطر آلاف المصلين لأداء صلاة قيام الليل والتهجد في منطقة "المصرارة" بالقدس المحتلة خلال إحياء ليلة القدر، بعد أن اصطدمت زحوفهم بالحواجز العسكرية والمتاريس التي نصبتها قوات الاحتلال عند مداخل البلدة القديمة وأبواب المسجد الأقصى، ليتحول محيط المدينة المقدسة إلى ساحات صلاة مفتوحة تحت عيون القناصة وأسلحة جنود الاحتلال المنتشرين بكثافة في كل زاوية، مؤكدين أن العقيدة لا تحصرها الجدران وأن الأقصى يبقى في القلب رغم الأغلال.
صلوات ليلة القدر في المصرارة وباب الساهرة
لم تمنع القيود المشددة والتهديدات بالقمع شباب القدس وأهاليها من الاحتشاد عند أقرب النقاط المتاحة للمسجد الأقصى، حيث شهدت منطقة باب "الساهرة" احتشاد عشرات الشبان الذين أدوا صلاتي العشاء والتراويح في شوارع المدينة، في ظل تواجد عسكري مكثف لقوات الاحتلال التي حاصرت المصلين وهددتهم باستخدام القوة لتفريقهم، بينما تحولت منطقة "المصرارة" إلى مركز لصلوات القيام في أقدس ليالي العام، حيث افترش المصلون الأرض والتحفوا السماء، ضاربین أروع أمثلة التحدي لقرار الإغلاق المستمر منذ الثامن والعشرين من فبراير الماضي.
وقد اتسمت هذه الصلوات بالخشوع الممزوج بروح المقاومة، حيث رفع المصلون أكف الضراعة بالدعاء للمسجد الأقصى وللشعب الفلسطيني، وسط استنفار أمني إسرائيلي غير مسبوق شمل نشر وحدات القمع الخاصة وفرق الخيالة في محيط البلدة القديمة لمنع تمدد هذه التجمعات الإيمانية أو تحولها إلى مواجهات مباشرة، إلا أن الإصرار الشعبي كان أقوى من كافة الترتيبات الأمنية الاحتلالية.
استغلال الأوضاع الأمنية لتغيير الواقع في القدس
يرى مراقبون ومقدسيون أن سلطات الاحتلال تتذرع بالحرب الإقليمية والأوضاع العسكرية الراهنة لتنفيذ مخططات قديمة تستهدف تغيير الوضع القانوني والتاريخي القائم في المسجد الأقصى، عبر فرض سياسة الإغلاق الطويل ومنع وصول المصلين كأمر واقع جديد.
وهذا الإجراء الذي دخل أسبوعه الثالث يهدف إلى إفراغ المسجد من عمرانه البشري الإسلامي وتسهيل الطريق أمام إجراءات تهويدية محتملة، في وقت ينشغل فيه العالم بمتابعة التطورات العسكرية المتسارعة في المنطقة، غير أن هذه المحاولات واجهت موجة عارمة من الدعوات المقدسية والفلسطينية لشد الرحال وتكثيف التواجد عند أقرب نقاط التماس مع المسجد، فالرسالة الفلسطينية واضحة ولا تقبل التأويل؛ وهي أن إغلاق الأبواب لن يغير من هوية المكان، وأن الصلاة في الشوارع هي رسالة رفض واضحة لسياسة التغول التي يمارسها الاحتلال مستغلاً الظروف الدولية، محذرين من أن استمرار هذا الضغط قد يؤدي إلى انفجار شعبي لا يمكن السيطرة عليه في ظل تصاعد وتيرة القمع والاعتداءات على المصلين العزل في شوارع القدس.
دعوات شد الرحال والتمسك بحق الصلاة
تواصلت الدعوات من قبل الهيئات الإسلامية والفعاليات الوطنية في القدس المحتلة لضرورة الاستمرار في شد الرحال نحو المسجد الأقصى المبارك، معتبرة أن أداء الصلاة عند أبوابه وفي الشوارع المحيطة به هو واجب ديني ووطني لكسر الحصار المفروض عليه.
وأكدت هذه الدعوات على ضرورة التواجد الدائم في منطقة باب الأسباط وباب العامود والمصرارة، لبيان للعالم أجمع أن المسجد الأقصى ليس وحيداً وأن هناك شعباً يفتديه بروحه ودمه.
وفي ظل استمرار إغلاق المسجد منذ فبراير الماضي، أصبح التواجد الميداني هو الأداة الوحيدة لمواجهة سياسة الإخلاء القسري، حيث يواصل المصلون من مختلف الفئات العمرية الزحف نحو المدينة المقدسة رغم الصعوبات والمخاطر، مؤكدين على حقهم التاريخي والديني الذي لا يقبل القسمة ولا المساومة، وأن كل محاولات الاحتلال لربط إغلاق الأقصى بملفات أمنية خارجية هي محاولات مكشوفة تهدف للنيل من قدسية المكان ومكانته في نفوس المسلمين، وهو ما سيفشل أمام صخرة الصمود المقدسي التي تتكسر عليها كل المؤامرات.










