سلّط تقدير جديد صادر عن معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي الضوء على الطريقة التي ينظر بها الكرملين إلى الحرب الدائرة ضد إيران، مشيراً إلى أن موسكو ترى في هذه المواجهة مزيجاً معقداً من المخاطر الاستراتيجية والفرص السياسية والاقتصادية.
وبحسب الدراسة، فإن الحرب التي بدأت مع الهجوم الذي شنته الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران في نهاية فبراير/شباط 2026 وضعت روسيا أمام واقع استراتيجي جديد، فإيران تُعد شريكاً مهماً لموسكو ضمن شبكة الدول التي تسعى إلى تحدي الهيمنة الغربية وبناء نظام دولي بديل، لذلك فإن أي إضعاف كبير للنظام الإيراني أو احتمال انهياره يُنظر إليه في الكرملين كضربة قاسية للمعسكر المناهض للغرب.
وترى موسكو أن سقوط النظام الإيراني سيؤدي أيضاً إلى زيادة الضغوط الجيوسياسية على روسيا في منطقة جنوب القوقاز، خاصة في ظل الانخراط الأميركي المتزايد في تسوية النزاعات الإقليمية هناك، بما في ذلك الصراع بين أرمينيا وأذربيجان.
على المستوى السياسي، سارعت القيادة الروسية إلى إدانة الهجوم الأميركي-الإسرائيلي على إيران. فقد وصف الرئيس فلاديمير بوتين مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي بأنه "اغتيال ينتهك القانون الدولي"، بينما اعتبرت موسكو أن الهجوم يمثل انتهاكاً صارخاً لسيادة الدول ومحاولة لتكريس منطق القوة في العلاقات الدولية.
وفي الوقت نفسه حاولت روسيا لعب دور دبلوماسي في الأزمة، حيث أجرى بوتين سلسلة اتصالات مع قادة المنطقة، بينهم الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان وقادة دول الخليج، كما عرض التوسط بين واشنطن وطهران، إلا أن هذا العرض قوبل بالرفض من قبل الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
كما تحركت موسكو في المؤسسات الدولية، فطلبت عقد اجتماع طارئ في الوكالة الدولية للطاقة الذرية لمناقشة مخاطر استهداف المنشآت النووية، وحاولت لاحقاً تمرير مشروع قرار في مجلس الأمن الدولي يدعو إلى وقف فوري للعمليات العسكرية، إلا أن المقترح لم يحصل على الدعم الكافي.
وفي الجانب الأمني، تبدي موسكو قلقاً خاصاً من احتمال تعرض محطة بوشهر النووية لأي هجوم، نظراً لوجود خبراء روس يعملون في المشروع الذي يعد أحد أهم رموز التعاون النووي بين البلدين. وترى روسيا أن استهداف هذه المنشأة قد يهدد حياة مواطنيها ويقوض نفوذها في قطاع الطاقة في الشرق الأوسط.
ورغم هذه المخاوف، ترى الدراسة أن الحرب توفر أيضاً فرصاً لروسيا. فالتصعيد في الشرق الأوسط يسهم في تحويل جزء من الاهتمام والموارد الغربية بعيداً عن الحرب في أوكرانيا، كما أدى التوتر في أسواق الطاقة إلى ارتفاع أسعار النفط، ما يمنح الاقتصاد الروسي مكاسب مالية مهمة في ظل الضغوط الناتجة عن العقوبات الغربية.
وتشير تقديرات إلى أن ارتفاع أسعار النفط قد يضيف نحو 150 مليون دولار يومياً إلى الإيرادات الروسية، وهو ما يشكل متنفساً مهماً لموسكو في ظل التكاليف المرتفعة للحرب في أوكرانيا.
وفي الوقت ذاته، تؤكد الدراسة أن التعاون العسكري بين روسيا وإيران لم يتوقف خلال الحرب، إذ أفادت تقارير أميركية بأن موسكو قدمت معلومات استخباراتية ساعدت طهران في استهداف مصالح عسكرية أميركية في الشرق الأوسط، كما نقلت خبراتها في استخدام الطائرات المسيّرة التي طورتها خلال الحرب الأوكرانية.
أما في النقاشات الداخلية الروسية، فقد اعتبر عدد من المحللين المقربين من الكرملين أن الحرب تقدم دروساً استراتيجية مهمة لموسكو، أبرزها أن العقوبات الغربية غالباً ما تكون مقدمة لاستخدام القوة العسكرية، وأن الحفاظ على التماسك الداخلي للدولة يعد عاملاً حاسماً في مواجهة الضغوط الخارجية.
ويخلص التقدير الإسرائيلي إلى أن روسيا ستواصل اتباع سياسة توازن دقيقة: فهي ستدعم إيران سياسياً ودبلوماسياً، لكنها في الوقت نفسه ستتجنب الانخراط المباشر في الحرب، نظراً لتركيزها على جبهتها الرئيسية في أوكرانيا ورغبتها في الحفاظ على قنوات اتصال مع واشنطن.
وفي المحصلة، ترى موسكو أن الحرب على إيران تشكل اختباراً جديداً لتوازنات النظام الدولي، وفرصة في الوقت ذاته لتعزيز موقعها الاقتصادي والسياسي في عالم يتجه تدريجياً نحو صراع مفتوح بين القوى الكبرى.










