في اليوم السابع عشر من اندلاع حرب إيران، لم يعد ممكنًا التعامل مع المشهد بوصفه جولة عابرة أو مواجهة محدودة بزمن قصير، بل بات من الضروري، كما يصف الكاتب، "تسريع الشريط إلى الأمام" وإعادة النظر في التوقعات كافة، بما في ذلك الخطط الشخصية والمناسبات العامة. فكل من كان يظن أن الأمور ستعود سريعًا إلى طبيعتها، عليه الآن أن يعيد حساباته، لأن المؤشرات المتراكمة توحي بأن هذه الحرب مرشحة للاستمرار لأسابيع إضافية، وربما لما هو أبعد من ذلك.
وقال آفي أشكنازي بصحيفة معاريف العبرية، في هذا السياق، يركّز الجيش الإسرائيلي على جبهتين أساسيتين للقتال، بينما تبقى إيران، في نظره، الساحة المركزية التي تدور حولها بقية المواجهات. ويستند هذا التصور إلى فرضية راسخة داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، مفادها أن إضعاف النظام الإيراني لن يظل حدثًا محليًا، بل سينعكس فورًا على توازنات القوى في المنطقة، وعلى رأسها موقع "حزب الله" في لبنان، الذي يُنظر إليه كامتداد مباشر للنفوذ الإيراني.
إيران كهدف
بحسب مصدر عسكري إسرائيلي، فإن أي ضربة توجه إلى العمق الإيراني، حتى لو كانت رمزية أو محدودة، سيكون لها صدى يتجاوز حدود الجغرافيا، ليصل تأثيرها إلى ساحات أخرى مثل لبنان. هذه الرؤية تعكس ترابط الجبهات في التفكير العسكري الإسرائيلي، حيث لا يُنظر إلى المواجهة مع إيران بمعزل عن بقية الأطراف المرتبطة بها.
وقد جرى، وفق الكاتب، إعداد خطط الهجوم على إيران على مدى فترة طويلة بالتنسيق بين الجيشين الأميركي والإسرائيلي، ما يشير إلى أن ما يجري ليس رد فعل لحظي، بل جزء من استراتيجية ممتدة. وفي هذه المرحلة، يتركز الجهد بشكل خاص على استهداف البنية الصناعية العسكرية الإيرانية، باعتبارها العمود الفقري لقدرات طهران الدفاعية والهجومية.
قدرات صناعية
تُوصف إيران في المقال بأنها دولة متقدمة بشكل ملحوظ في مجال الصناعات العسكرية، حيث تمتلك منظومة متكاملة تشمل تطوير أنظمة الرادار، ومضادات الطائرات، والطائرات المسيّرة، فضلًا عن إنتاج السفن الحربية، وتحديث الطائرات، وتصنيع الصواريخ بمختلف أنواعها. هذه المنظومة لا تقتصر على الجانب العسكري البحت، بل ترتكز أيضًا على قاعدة علمية وأكاديمية واسعة.
فإيران، بحسب الطرح الوارد، تُعد قوة بارزة في مجالي التعليم والتكنولوجيا، مع وجود مئات الآلاف من الطلاب الذين يلتحقون سنويًا بكليات العلوم الدقيقة والهندسة، إضافة إلى مراكز بحث وتطوير متقدمة تسهم في تغذية القطاع العسكري بالمعرفة والابتكار. ومن هنا، فإن استهداف هذه البنية لا يعني فقط تقليص القدرة العسكرية المباشرة، بل المساس بأسس القوة الشاملة للدولة.
أبعاد اقتصادية
الضربات التي تستهدف الصناعات العسكرية الإيرانية لا تقتصر آثارها على الجانب الأمني، بل تمتد إلى المجال الاقتصادي على المدى الطويل. فتعطيل الإنتاج العسكري يعني أيضًا إضعاف قطاعات صناعية مرتبطة به، ما ينعكس سلبًا على الناتج القومي، ويؤدي إلى ارتفاع معدلات البطالة، ويؤثر على تدفق السيولة النقدية، وكذلك على حجم الصادرات.
بهذا المعنى، تُقدَّم هذه الخطوة كوسيلة لضرب "الأصول الوجودية" للنظام الإيراني، أي تلك الركائز التي يقوم عليها استقراره واستمراره، وليس فقط قدرته على خوض الحروب. وهو تصور يعكس توجهاً نحو حرب شاملة الأدوات، تتجاوز الميدان العسكري إلى الاقتصاد والبنية المجتمعية.
الجبهة اللبنانية
على الساحة اللبنانية، بدأ الجيش الإسرائيلي تنفيذ عملية برية محدودة النطاق، يعلن أن هدفها يتمثل في تعميق خط الدفاع الأمامي ومنع تهديدات مباشرة للمناطق الشمالية. وتشير التقديرات الإسرائيلية الواردة في المقال إلى أن "حزب الله" فقد نحو 90% من قدراته النارية، بحيث لم يتبق لديه سوى ما بين 10 آلاف إلى 15 ألف صاروخ عشية هذه المرحلة من المواجهة.
انطلاقًا من هذه المعطيات، يرى الجيش الإسرائيلي أن تقليص وتيرة إطلاق الصواريخ باتجاه مناطق مثل كريات شمونة والمطلة والجليل الغربي وحتى حيفا، يتطلب السيطرة على مناطق متقدمة داخل جنوب لبنان، والتقدم نحو نهر الليطاني، بهدف تعطيل نشاط الحزب وتدمير منصات الإطلاق ومخازن الذخيرة المنتشرة في خطوط القرى الخلفية.
واقع الجنوب
في المقابل، يستعد "حزب الله" لمواجهة هذا التقدم، حيث أعاد انتشار قواته في الخطين الثالث والرابع من القرى في جنوب لبنان، في محاولة لامتصاص أي هجوم محتمل. وتشير المعطيات الواردة إلى أن معظم القرى الحدودية باتت شبه خالية من السكان، بعد عمليات إخلاء واسعة.
ويذكر المقال أن الجيش الإسرائيلي قام بإخلاء نحو 850 ألف مدني، معظمهم من الطائفة الشيعية، وهو ما يُقدَّم باعتباره عامل ضغط داخلي على "حزب الله"، إذ يُتهم بأنه تسبب في تهجيرهم مجددًا وتحويلهم إلى لاجئين داخل بلدهم. غير أن هذا الطرح يتجاهل، من زاوية نقدية، أن سياسات القصف والتصعيد العسكري الإسرائيلي نفسها تشكل سببًا رئيسيًا في هذا النزوح، ما يعكس طبيعة السردية الأحادية التي يعتمدها النص الأصلي.
تحولات الخليج
في خضم هذه التطورات، يطرح الكاتب فرضية حدوث تغيرات ملموسة في مواقف دول الخليج. فهذه الدول، وفقًا للرؤية المعروضة، باتت تتعرض لضغوط أو تهديدات من جانب إيران، ما يدفعها إلى إعادة تقييم أولوياتها الأمنية، وإعادة تعريف من تعتبره "العدو الرئيسي".
ويشير المقال إلى أن بعض دول الخليج بدأت، أو قد تبدأ، في النظر إلى إسرائيل كشريك محتمل في مواجهة التحديات المشتركة، خصوصًا في مجالات الدفاع الجوي والتكنولوجيا العسكرية، مثل أنظمة "حيتس" و"القبة الحديدية" و"مقلاع داود"، إضافة إلى التعاون الاستخباري وتشكيل تحالفات ذات طابع دفاعي وربما هجومي.
إعادة ترتيب الأولويات
يخلص الكاتب إلى أن هذه الحرب قد تسهم في إعادة تشكيل ملامح الشرق الأوسط، ليس فقط من خلال نتائجها العسكرية المباشرة، بل عبر التحولات السياسية التي قد تطرأ على مواقف الدول. ففي نظره، بدأت بعض الدول العربية بالفعل بإعادة ترتيب أولوياتها، بحيث لم تعد القضية الفلسطينية تتصدر المشهد كما في السابق، بل تراجعت لصالح تحديات آنية تمس الأمن والاستقرار الداخلي.
غير أن هذا الطرح، رغم ما يحمله من قراءة للواقع من زاوية إسرائيلية، يظل محل جدل واسع، إذ يرى كثيرون أن التقليل من مركزية القضية الفلسطينية لا يعكس بالضرورة مواقف الشعوب، بل يعبر عن حسابات سياسية ظرفية. كما أن تصوير إسرائيل كشريك أمني يتجاهل دورها كقوة احتلال، وما يترتب على ذلك من صراعات مستمرة في المنطقة، وهو ما يجعل أي "إعادة تعريف للعدو" مسألة أكثر تعقيدًا مما يقدمه هذا التحليل.










