بينما تتجه عدسات الكاميرات العالمية نحو منصات الصواريخ وتصريحات القادة النارية، وضجيج الطائرات المسيرة في سماء المنطقة، البعض يحلل ويتساءل عن الجوهر الحقيقي للصراع وهو قابعاً في "المكان الذي لا تضيء عليه الكاميرا".حيث لا توجد دماء تسيل أمام الشاشات، تدور رحى حرب من نوع آخر حرب لا تهدف بالضرورة إلى حسم عسكري خاطف، بل إلى هندسة استنزاف كبرى تستهدف الخصوم الدوليين الأبعد: الصين وروسيا.
استراتيجية "المحرقة" الجيوسياسية
إن قراءة التصعيد مع إيران كحدث إقليمي معزول هي قراءة تفتقر للعمق الاستراتيجي. الحقيقة أن المنطقة تُدفع نحو حالة من "اللا-استقرار المخطط له"، حيث يتم تحويل الجغرافيا الإيرانية إلى "ثقب أسود" يمتص موارد القوى العظمى الصاعدة .
أولها خنق "التنين" الصيني عبر شريان الطاقة: تدرك واشنطن أن محرك النمو الصيني يعتمد بشكل عضوي على تدفق النفط والغاز من منطقة الخليج، وإيران هي المورد الاستراتيجي الذي يمنح بكين استقلالية نسبية عن الإرادة الغربية.
لذا إن استمرار التوتر هو تعطيل مشروع "الحزام والطريق" في حلقته الأهم. مما وضع الصين أمام خيار تأمين بدائل مكلفة للطاقة، أو التورط في حماية حلفائها في منطقة ملتهبة، هو استنزاف صامت لقوتها الاقتصادية، ويهدف بالدرجة الأولى لتشتيت انتباهها عن ملفات أكثر حيوية مثل "تايوان".
وثانيهما هو استنزاف "الدب" الروسي في الجبهة الجنوبية، بالنسبة لموسكو تمثل إيران الحليف العسكري والسياسي الذي يوفر لها موطئ قدم استراتيجي في المياه الدافئة.
فعندما تشتعل الجبهة الإيرانية أو تبقى على حافة الانفجار، تضطر روسيا —المنهمكة في أوكرانيا— إلى توزيع جهدها الاستخباراتي والعسكري والمالي لحماية نفوذها الجنوبي.
هذا "التشتيت الاستراتيجي" هو ما تسعى إليه القوى العظمى محاصرة وأستنزاف القوى الأخرى وهي لعبة الكبار التي تكون خارج ضوء الكاميرات مع عقليات وتخطيط مختلف .
ثالثهما ينظر الى "التطبيع" كدرع صد وإعادة هيكلة إقليمية
وهنا تظهر القطعة الأكثر دقة في الأحجية فالتطبيع مع إسرائيل في هذا السياق لا يُنظر إليه كخطوة دبلوماسية فحسب، بل كإعادة صياغة كاملة لخارطة التحالفات.
حيث ستخلق منظومة أمنية وتقنية مرتبطة بالغرب، لسد الطريق أمام التمدد الصيني الذي يحاول الدخول عبر بوابة الاستثمارات التكنولوجية والموانئ و يحرم روسيا من اللعب على تناقضات الخلافات التقليدية ويحيد دورها كلاعب توازن.
هل ينجح الفخ؟
إن الرهان اليوم ليس على من يملك صواريخ أدق، بل على من يملك "نفساً أطول" في صراع الإرادات والواردات الاقتصادية والتحالفات المتعددة . العالم ينظر إلى شاشات الأخبار بانتظار الانفجار الكبير والحلول ، لكن المعركة الحقيقية تُدار في تلك الزوايا المظلمة التي قرر صانع القرار ألا تسلط الكاميرا الضوء عليها.
السؤال الذي يبقى معلقاً: هل تنجح القوى الكبرى في جر الصين وروسيا إلى "محرقة الاستنزاف" الإيرانية وغلق الدائرة عبر التحالفات الجديدة؟ أم أن لدى "الشرق" أوراقاً مخفية وكاميرات خاصة ستكشف عن مفاجآت لم تكن في الحسبان؟. او ربما تكون هناك مفاجآت آخرى تغير خارطة الطريق للعالم ولكن تبقى الحقيقة واحدة وهي أن الحطب هو المواطن الأضعف في صراع العمالقة .








