20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

وزير خارجية عُمان: واشنطن فقدت السيطرة على سياستها الخارجية

ويرى البوسعيدي، الذي قاد جهود وساطة مضنية في أحدث جولات المفاوضات النووية غير المباشرة بين واشنطن وطهران

بقلم: محمد خميس
١٩ مارس ٢٠٢٦
5 دقائق قراءة
20 مشاهدة
وزير الخارجية العُماني

وزير الخارجية العُماني

أطلق وزير الخارجية العُماني، بدر البوسعيدي، تحذيرات شديدة اللهجة ومباشرة تجاه المسار الذي تسلكه السياسة الخارجية الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط، مؤكداً في مقال رأي نشرته مجلة "ذي إيكونوميست" البريطانية اليوم الخميس، أن الولايات المتحدة الأمريكية قد فقدت السيطرة بشكل فعلي على بوصلة سياستها الخارجية. 

ويرى البوسعيدي، الذي قاد جهود وساطة مضنية في أحدث جولات المفاوضات النووية غير المباشرة بين واشنطن وطهران، أن الإدارة الأمريكية انزلقت إلى "تورط غير مرغوب فيه" في صراع لا يخدم مصالحها القومية المباشرة، داعياً حلفاء واشنطن الدوليين إلى التدخل السريع لمساعدتها على الخروج من هذا المأزق الاستراتيجي. 

واعتبر الوزير العُماني أن هذه المواجهة العسكرية ليست "حرب أمريكا" بالأصل، بل هي نتيجة لانجرار واشنطن خلف ضغوط "تل أبيب"، مما أدى إلى ارتكاب ما وصفه بأنه "أكبر خطأ في الحسابات" السياسية والعسكرية خلال العقود الأخيرة، خاصة بعدما سمحت الإدارة الأمريكية لنفسها بأن تكون جزءاً من معركة تم التخطيط لها لجر المنطقة إلى أتون حرب شاملة أجهضت فرصاً حقيقية للسلام كانت قاب قوسين أو أدنى من التحقق.

إجهاض المفاوضات النووية والضربة العسكرية غير القانونية

وكشف البوسعيدي عن تفاصيل مثيرة تتعلق بمسار الدبلوماسية السرية، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة وإيران كانتا على وشك التوصل إلى اتفاق حقيقي ونهائي مرتين خلال الأشهر التسعة الماضية، إلا أن هذه الجهود قُوبلت بقرار عسكري مفاجئ وصادم. 

وأوضح الوزير أنه "لم يكن مفاجئاً تماماً" أن تقوم الولايات المتحدة بالتعاون مع إسرائيل في الثامن والعشرين من شباط/فبراير الماضي، بشن ضربة عسكرية وصفها بأنها "غير قانونية"، وذلك بعد ساعات قليلة فقط من خوض "أكثر المحادثات جدية" والتي كانت تهدف لإنهاء الأزمة النووية سلمياً. 

ويرى الوسيط العُماني أن هذا التوقيت للضربة العسكرية يعكس رغبة أطراف معينة في تدمير أي فرصة حقيقية للسلام واستبدالها بلغة البارود، وهو ما يمثل فشلاً ذريعاً في التقدير الاستراتيجي من قبل مهندسي هذه الحرب الذين لم يتوقعوا، أو ربما تعمدوا، تجاهل التداعيات الكارثية لهذا التصعيد على استقرار الإقليم والعالم، معتبراً أن الانجرار العسكري في اللحظات الأخيرة من المفاوضات كان بمثابة رصاصة الرحمة على المسار الدبلوماسي الذي ترعاه مسقط.

التهديدات الوجودية للنموذج الاقتصادي الخليجي

وفي قراءة دقيقة لتأثيرات هذا الصراع على دول مجلس التعاون الخليجي، حذر بدر البوسعيدي من أن النموذج الاقتصادي الحديث الذي تعكف دول المنطقة على بنائه بات الآن مهدداً بشكل وجودي.

 وأشار إلى أن الرؤى الاقتصادية التي تلعب فيها الرياضة العالمية والسياحة وقطاع الطيران والتكنولوجيا دوراً محورياً وأساسياً، تجد نفسها اليوم في مهب الريح نتيجة انعدام الأمن والاستقرار الملاحي والجوي. ولفت الوزير العُماني إلى أن آثار الرد الإيراني بدأت تُلمس بشكل ملموس على الصعيد العالمي، خاصة مع الاضطراب الشديد الذي تشهده حركة الملاحة الدولية عبر مضيق هرمز، وهو الممر المائي الأكثر أهمية لتجارة الطاقة العالمية. 

هذا الاضطراب لا يهدد فقط برفع أسعار النفط والغاز إلى مستويات قياسية، بل ينذر بدخول الاقتصاد العالمي في موجة ركود عميق قد تفوق في شدتها الأزمات السابقة، مشدداً على أن أي مهندس لهذه الحرب لم يتوقع هذه النتائج الاقتصادية فقد ارتكب خطأً فادحاً في التقدير سيحمل العالم تبعاته لسنوات طويلة قادمة.

مستقبل الدور العُماني ومسؤولية الحلفاء

في ختام تحليله، يضع وزير الخارجية العُماني المجتمع الدولي وحلفاء الولايات المتحدة أمام مسؤولياتهم التاريخية، مؤكداً أن الصمت أو الانجرار الأعمى خلف السياسات التصعيدية سيقود الجميع إلى كارثة محققة.

 إن دعوة البوسعيدي للحلفاء لمساعدة واشنطن على "الخروج من التورط" تعكس إدراكاً عُمانياً عميقاً بأن الولايات المتحدة لم تعد تملك ترف الوقت أو الخيارات السهلة، وأنها باتت أسيرة لأجندات خارجية تفرضها حكومة اليمين في إسرائيل. وتبقى سلطنة عُمان، رغم صعوبة المشهد، متمسكة بدورها كصوت للعقل والوساطة، محاولةً إعادة الأطراف إلى طاولة المفاوضات قبل أن تتسع رقعة الحرب لتشمل دولاً أخرى في المنطقة.

 إن هذا المقال في "ذي إيكونوميست" يمثل وثيقة سياسية هامة ترصد لحظة فارقة في تاريخ المنطقة، حيث يتم التضحية بفرص السلام التاريخية من أجل مكاسب تكتيكية قصيرة المدى، مما يضع أمن الطاقة العالمي ومستقبل الازدهار الخليجي في مواجهة مباشرة مع احتمالات انهيار شامل للنظام الإقليمي الذي عرفناه طوال العقود الماضية.

محمد خميس

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

وزير خارجية عُمان: واشنطن فقدت السيطرة على سياستها الخارجية - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°