أطلق المرشد الأعلى في إيران، مجتبى خامنئي، رسائل سياسية وعسكرية بالغة الدلالة بمناسبة عيد النيروز، مؤكداً أن خط الجبهة في بلاده يتمتع بصلابة وتماسك "أقوى بكثير مما يظن الأعداء"، في إشارة واضحة إلى فشل الرهانات الغربية والإسرائيلية على انهيار الدولة عقب موجة الاغتيالات الأخيرة.
وأوضح خامنئي في خطابه أن طهران خاضت خلال العام الماضي مخاضاً عسيراً تمثل في ثلاث حروب متزامنة؛ عسكرية وأمنية وسياسية، ناتجة عن تصاعد المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل وتداعياتها التي ألقت بظلالها على الإقليم بأكمله.
واعتبر المرشد أن لجوء الخصوم إلى الخيار العسكري المباشر جاء نتيجة يأسهم من تحقيق أي اختراق عبر تحريك الشارع أو إحداث فوضى داخلية، مشدداً على أن التقديرات الاستخباراتية المعادية أخطأت حين اعتقدت أن النظام سيسقط خلال أيام معدودة، أو أن غياب قيادات الصف الأول سيؤدي إلى شلل في مؤسسات الدولة وقدراتها الدفاعية.
الحصن الشعبي ومواجهة الحرب الإعلامية الخبيثة
شدد مجتبى خامنئي في رسالته على أن الشعب الإيراني أثبت وعياً سياسياً كبيراً من خلال تشكيل "حصن منيع" بحضوره الدائم في الساحات العامة، وهو الحضور الذي اعتبره المحرك الأساسي في توجيه ضربات قوية وموجعة للعدو وإحباط مخططاته الرامية لعزل القيادة عن قاعدتها الجماهيرية.
وفي إطار تحصين الجبهة الداخلية، حذر المرشد من "حملات إعلامية خبيثة" تقودها غرف عمليات خارجية تستهدف التأثير على الرأي العام الداخلي وبث روح الهزيمة والتشكيك في قدرات القوات المسلحة.
وفي هذا الصدد، وجه خامنئي توصيات صارمة لوسائل الإعلام الإيرانية بضرورة التركيز على نقاط القوة والإنجازات والامتناع عن تضخيم نقاط الضعف التي قد يستغلها المتربصون، مؤكداً أن تعزيز الروح المعنوية في ظل هذه الظروف الراهنة يعد واجباً وطنياً لا يقل أهمية عن العمل العسكري في الميدان، خاصة وأن المعركة الراهنة هي معركة إرادات قبل أن تكون معركة صواريخ وطائرات مسيرة.
دبلوماسية الجوار ونفي الاتهامات الإقليمية
على الصعيد الإقليمي، حرص مجتبى خامنئي على التأكيد على عمق الروابط التي تجمع إيران بدول الجوار، متحدثاً عن "اشتراك في العقيدة والمصالح" لمواجهة ما وصفه بقوى الاستكبار العالمي التي تسعى لزعزعة استقرار المنطقة. وفي محاولة لتهدئة التوترات الجانبية وتفويت الفرصة على محاولات الوقيعة بين طهران وجيرانها، نفى المرشد الأعلى بشكل قاطع أي صلة للقوات المسلحة الإيرانية بالهجمات الأخيرة التي وقعت في تركيا وسلطنة عُمان، معتبراً أن هذه الاتهامات تندرج ضمن المحاولات اليائسة لشيطنة إيران وتشويه صورتها أمام أصدقائها الإقليميين.
وتأتي هذه التصريحات في وقت حساس تحاول فيه طهران موازنة ردود أفعالها العسكرية مع ضرورتها في الحفاظ على خطوط اتصال مفتوحة مع الدول المحيطة، لضمان عدم انجراف المنطقة نحو حرب إقليمية شاملة تخدم الأجندات الخارجية التي تستهدف وحدة النسيج الإسلامي في المنطقة.
تداعيات العدوان الواسع وحسابات الرد الانتقامي
يأتي خطاب المرشد الجديد في ظل ظروف استثنائية لم تشهدها إيران منذ عقود، حيث تشن إسرائيل والولايات المتحدة منذ الثامن والعشرين من شباط/فبراير الماضي عدواناً واسعاً وشاملاً استهدف مفاصل الدولة، وأسفر عن استشهاد مئات الأشخاص، وفي مقدمتهم المرشد السابق علي خامنئي، وأمين مجلس الأمن القومي علي لاريجاني، ووزراء الاستخبارات والدفاع وقائد الحرس الثوري.
ورغم فداحة الخسائر البشرية في هرم القيادة، إلا أن إيران ردت بسلسلة من الهجمات الصاروخية المكثفة وأسراب المسيرات التي استهدفت العمق الإسرائيلي والقواعد العسكرية الأمريكية والمصالح الحيوية في المنطقة، فيما تصفه طهران بأنه رد مشروع لردع المعتدين.
هذا الواقع الميداني المعقد يضع القيادة الإيرانية الجديدة أمام تحدي إثبات القدرة على الاستمرار في المواجهة مع الحفاظ على توازن القوى، وهو ما حاول مجتبى خامنئي تكريسه في رسالته، مؤكداً أن دماء القادة لم تزد الجبهة إلا إصراراً على مواصلة الطريق حتى تحقيق الأهداف الاستراتيجية وكسر الحصار العسكري والسياسي المفروض عليها.










