في مقال نشرته صحيفة الجارديان، يحذر الكاتب لاري إليوت من أن الحرب الجارية على إيران قد تتحول إلى لحظة تاريخية مفصلية، تشبه في تداعياتها ما جرى خلال حرب البوير الثانية.
ويستعرض الكاتب أوجه التشابه بين الحرب الحالية التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، وتلك الحرب التي اندلعت في نهاية القرن التاسع عشر بين الإمبراطورية البريطانية ومزارعي البوير في جنوب أفريقيا.
ويشير إلى أن التوقعات آنذاك كانت تميل إلى حسم سريع لصالح بريطانيا، نظراً لفارق القوة الهائل، إلا أن الواقع جاء مغايراً، حيث استمرت الحرب لسنوات وكلفت لندن ثمناً باهظاً، رغم انتهائها بانتصار عسكري شكلي.
نصر بلا قيمة
يوضح إليوت أن بريطانيا خرجت من تلك الحرب بنصر وُصف بـ"الأجوف"، إذ كشف الصراع حدود قوتها العسكرية وألحق ضرراً بهيبتها العالمية، في وقت كانت فيه قوى صاعدة تنافسها على الزعامة الدولية.
ويرى أن هذا النموذج التاريخي قد يتكرر اليوم، حيث تخاطر الولايات المتحدة بالدخول في حرب تبدو سهلة في بدايتها، لكنها تحمل في طياتها احتمالات تحولها إلى صراع طويل ومكلف.
ويؤكد أن التفوق العسكري لا يضمن بالضرورة تحقيق مكاسب سياسية أو استراتيجية، خاصة عندما يواجه قوة تعتمد على تكتيكات استنزاف طويلة الأمد.
تكتيك الاستنزاف
يشير المقال إلى أن إيران تعتمد أساليب قتال غير تقليدية، تشبه إلى حد كبير تكتيكات حرب العصابات التي استخدمها البوير، ما يجعل من الصعب تحقيق حسم سريع في المواجهة.
ويضيف أن التفوق الناري الأمريكي والإسرائيلي قد يفرض واقعاً ميدانياً معيناً، لكنه لا يحسم الصراع سياسياً، بل قد يفتح الباب أمام حرب طويلة تستنزف الموارد وتزيد الكلفة.
ويطرح الكاتب تساؤلاً محورياً حول الثمن الحقيقي لهذا "الانتصار المحتمل"، في ظل تصاعد المؤشرات على اتساع نطاق الحرب.
ارتدادات اقتصادية
يلفت إليوت إلى أن الحرب امتدت بالفعل إلى نطاق إقليمي أوسع، مع تصاعد الهجمات على منشآت الطاقة في الخليج وتعطل حركة الملاحة في مضيق هرمز.
ويؤكد أن هذه التطورات دفعت أسعار النفط والغاز إلى الارتفاع بشكل حاد، ما يعزز المخاوف من ركود اقتصادي عالمي، خاصة في ظل الترابط الوثيق بين أسواق الطاقة والاقتصاد الدولي.
ويستحضر الكاتب تجربة أزمة النفط 1973، حين أدى ارتفاع أسعار النفط إلى إنهاء مرحلة طويلة من النمو الاقتصادي، مشيراً إلى أن تكرار هذا السيناريو يبقى احتمالاً قائماً إذا استمر الصراع.
تضخم واضطراب عالمي
ويحذر المقال من أن تأثيرات الحرب لا تقتصر على الطاقة فقط، بل تمتد إلى سلاسل الإمداد العالمية، بما في ذلك المواد الصناعية الحيوية.
فارتفاع تكاليف النقل والطاقة ينعكس مباشرة على أسعار الغذاء والمنتجات الأساسية، بينما تواجه الشركات ضغوطاً متزايدة نتيجة ارتفاع النفقات وتراجع الطلب.
كما يشير إلى أن تعطيل الملاحة في مضيق هرمز قد يؤثر على تدفق مواد أساسية تدخل في صناعات متقدمة، ما يزيد من الضغوط التضخمية ويعمق الأزمة الاقتصادية.
تحدي الهيمنة
ورغم التحذيرات، يؤكد إليوت أن الولايات المتحدة تمتلك قدرة كبيرة على التكيف وإعادة بناء قوتها، لكنه يشير في الوقت ذاته إلى مؤشرات تراجع مقلقة.
فصعود الصين كقوة صناعية كبرى يمثل تحدياً متزايداً للهيمنة الاقتصادية الأمريكية، كما أن مستقبل الدولار كعملة احتياطية عالمية لم يعد مضموناً.
ويستدعي الكاتب تجربة بريطانيا في مطلع القرن العشرين، حين بدأت تفقد تدريجياً موقعها في الاقتصاد العالمي رغم تفوقها العسكري آنذاك.
مأزق القرار
يخلص المقال إلى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يواجه معضلة معقدة بين خيارين كلاهما يحمل مخاطر كبيرة.
فإما إنهاء الحرب سريعاً والإعلان عن تحقيق الأهداف، وهو ما يعني القبول ببقاء النظام الإيراني، أو الاستمرار في الصراع مع ما يحمله ذلك من تداعيات اقتصادية وسياسية متفاقمة.
وفي كلتا الحالتين، يرى إليوت أن النتيجة ستكون "نصراً مكلفاً"، يكشف في الوقت ذاته عن جوانب القوة والضعف في الولايات المتحدة، ويطرح تساؤلات عميقة حول مستقبل هيمنتها العالمية.









