أفاد تقرير صادر عن معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS)، أعدّه الباحثون ديفيد سيمون-توف وداني سيترينوفيتش ورعوت دافيد، بأن إيران تدير خلال الحرب الجارية نموذجًا متقدمًا من “التواصل الاستراتيجي” يقوم على الدمج بين العمل العسكري وحرب المعلومات والتقنيات الحديثة، بهدف التأثير على وعي الخصوم واستنزافهم نفسيًا على المدى الطويل، وليس فقط تحقيق إنجازات عسكرية مباشرة.
ويوضح التقرير أن طهران طوّرت خلال السنوات الأخيرة عقيدة متكاملة في الحرب الإدراكية، انتقلت فيها من الخطاب الأيديولوجي التقليدي إلى نمط أكثر واقعية وتعددًا في الأدوات، يستهدف في آنٍ واحد الداخل الإيراني، والجبهة الإسرائيلية، والولايات المتحدة، ودول الخليج، إضافة إلى الرأي العام الدولي، وذلك عبر مزيج من الرسائل العسكرية والإعلامية والرقمية.
وبحسب التقدير، لم تعد الهجمات الصاروخية الإيرانية تُستخدم فقط لتحقيق إصابات ميدانية، بل باتت أداة تأثير نفسي تهدف إلى خلق حالة استنزاف مستمرة، من خلال توزيع الضربات على مدار اليوم وتوسيع نطاقها الجغرافي، بما يؤدي إلى ترسيخ الشعور بعدم الاستقرار داخل الجبهة الداخلية للخصم، ودفعه إلى حالة من الإرهاق المتراكم.
ويشير التقرير إلى أن أحد أبرز ملامح هذه الاستراتيجية يتمثل في الاستخدام المنهجي للدعاية المضللة، حيث تعتمد إيران على تضخيم إنجازاتها العسكرية، واختلاق روايات عن خسائر كبيرة لخصومها، مقابل التقليل من حجم الأضرار التي تتعرض لها، في إطار ما يصفه الباحثون بنهج “الكذبة الكبرى” الهادف إلى خلق واقع بديل يعزز صورة النظام ويخدم أهدافه السياسية والعسكرية.
وفي السياق ذاته، تكثف طهران جهودها الإعلامية الموجهة نحو الولايات المتحدة، عبر تصوير الحرب على أنها نتيجة مباشرة لسياسات إسرائيلية، وتسليط الضوء على تكلفتها الاقتصادية على المواطن الأمريكي، في محاولة لتعزيز المعارضة الداخلية لاستمرارها، مع التأكيد في الوقت ذاته على استعداد إيران لخوض حرب طويلة الأمد، خلافًا لرغبة الغرب في إنهاء الصراع سريعًا.
كما يكشف التقرير عن نشاط واسع لإيران في الفضاء الرقمي، سواء من خلال حسابات علنية تروّج للرواية الإيرانية، أو حسابات مزيفة تنتحل صفة إسرائيليين، تعمل على بث رسائل تستهدف إضعاف الثقة بالقيادة السياسية، وتضخيم حجم الخسائر، وإبراز الانقسامات الداخلية، والإيحاء بتراجع الدعم الدولي، في إطار حرب نفسية منظمة تستهدف المجتمع من الداخل.
ويبرز التقرير الدور المتصاعد للذكاء الاصطناعي في هذه المعركة، حيث تستخدم إيران تقنيات متقدمة مثل الفيديوهات المزيفة (Deepfake) والنماذج اللغوية لإنتاج محتوى بلغات متعددة، إضافة إلى تحليل تفاعل الجمهور وتكييف الرسائل بشكل مستمر، ما يمنحها قدرة عالية على إدارة حرب إدراكية متواصلة وفعالة في الزمن الحقيقي.
وعلى المستوى الإقليمي، تعتمد طهران سياسة مزدوجة تجاه دول الخليج، تجمع بين التهديد باستهداف الدول التي تسمح باستخدام أراضيها أو قواعدها في العمليات ضدها، وبين إرسال رسائل طمأنة للدول التي تلتزم الحياد، مع التلويح بإمكانية تعطيل الملاحة في مضيق هرمز واستهداف منشآت الطاقة، بهدف خلق ضغط اقتصادي دولي يدفع نحو إنهاء الحرب بشروطها.
أما داخليًا، فيشير التقرير إلى أن النظام الإيراني يواصل فرض سيطرته على الوعي العام من خلال قمع الاحتجاجات، وتقييد الوصول إلى المعلومات، وحجب صور الأضرار، بالتوازي مع استخدام الإعلام والوسائل الرقمية لإظهار حالة دعم شعبي واسعة، بما يضمن استمرار تماسك الجبهة الداخلية رغم الضغوط.
ويخلص التقرير إلى أن إيران تدير حربًا شاملة تتكامل فيها الأدوات العسكرية والإعلامية والتكنولوجية، بحيث لم تعد المعركة تقتصر على الميدان العسكري، بل أصبحت ساحة الوعي والإدراك عنصرًا حاسمًا فيها، ما يتيح لطهران مواصلة الصراع لفترات طويلة، والتأثير على خصومها حتى في ظل تفوقهم العسكري، وإعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية دون الحاجة إلى حسم عسكري سريع.










