تبدو تصريحات دونالد ترامب، أقرب إلى قنابل عنقودية سياسية تتناثر في كل اتجاه، دون أن تترك خلفها وضوحًا استراتيجيًا حقيقيًا. فبين إعلان نية غزو جزيرة خرج، التي تُعد من أبرز نقاط تصدير النفط الإيراني، وبين توجيه إنذار نهائي لطهران بضرورة فتح مضيق هرمز خلال 48 ساعة، وإلا ستُقصف البنية التحتية للكهرباء، تتشكل صورة أقرب إلى استعراض قوة غير محسوب منه إلى خطة حرب متماسكة.
هذه التهديدات المتلاحقة لم تتوقف عند حد، إذ تراجعت تدريجيًا التعهدات السابقة بعدم تنفيذ تدخل بري أو إنزال قوات على الأرض، ما يكشف عن تآكل في الخطوط الحمراء التي حاول ترامب رسمها في بداية التصعيد، ويعكس ارتباكًا واضحًا في تعريف أهداف الحرب وحدودها.
إنجازات بلا غطاء
رغم الحديث المتكرر عن "التدمير الكامل" للمنشآت النووية الإيرانية، والذي قُدم باعتباره أبرز إنجاز في حرب الأيام الاثني عشر خلال شهر يونيو الماضي، إلا أن هذا الادعاء يفتقر إلى دليل حاسم يدعمه. فحتى الآن، لم يتم العثور على نحو 440 كغم من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، وهي كمية تمثل عنصرًا حاسمًا في أي برنامج نووي متقدم.
البحث عن هذه الكمية يشبه إلى حد بعيد محاولة العثور على إبرة في كومة قش، ليس فقط بسبب صعوبة تتبعها، بل لأن طبيعة هذه المادة الثقيلة تسمح بتخزينها في حاويات صغيرة يمكن إخفاؤها بسهولة في أماكن ضيقة، ما يضع علامات استفهام كبيرة حول حقيقة "الإنجاز" المعلن.
تهديد لم ينكسر
على الرغم من آلاف الغارات التي استهدفت منصات إطلاق الصواريخ الباليستية، فإن هذا التهديد لم يتم القضاء عليه، ولا يزال يشكل خطرًا مباشرًا على إسرائيل ودول الخليج، التي لم تنخرط حتى الآن بشكل كامل في هذه الحملة العسكرية.
في المقابل، تلاشت التوقعات التي كانت تراهن على انتفاضة شعبية داخل إيران تُسقط النظام أو تُضعفه من الداخل، لتحل محلها تقارير متزايدة عن حالة من الإحباط واليأس يعيشها ملايين الإيرانيين، الذين ينشغلون أساسًا بالبحث عن مأوى يحميهم من القصف أو من إطلاق النار الذي تنفذه قوات الباسيج.
وهم إسقاط الأنظمة
من المشكوك فيه أن يؤدي قصف شبكات الكهرباء وإغراق شوارع طهران في الظلام إلى دفع المواطنين نحو التمرد. بل على العكس، تشير التجارب الحديثة، خاصة في غزة، إلى أن الشعوب التي تُحاصر وتُقصف وتُحرم من الماء والكهرباء والخدمات الصحية، لا تتجه تلقائيًا إلى إسقاط حكوماتها، بل تنشغل بالبقاء.
هذه الحقيقة تقوّض أحد أهم الافتراضات التي بُنيت عليها الحرب، وهو أن الضغط العسكري والاقتصادي سيؤدي إلى انهيار داخلي سريع للنظام الإيراني، وهو رهان أثبت محدوديته في أكثر من ساحة.
ذاكرة النفط والانقلاب
تحمل الذاكرة الإيرانية حساسية عميقة تجاه أي محاولة للسيطرة على مواردها، خاصة النفط. فمنذ اكتشافه عام 1908، وما تبعه من هيمنة بريطانية عليه، تشكلت سردية وطنية قائمة على مقاومة التدخلات الخارجية.
وقد بلغ هذا المسار ذروته مع صعود محمد مصدق عام 1951، الذي قام بتأميم النفط، قبل أن يُسقط في انقلاب عام 1953 دبرته ونفذته أجهزة الاستخبارات الأمريكية والبريطانية، في واحدة من أبرز محطات التدخل الغربي في إيران الحديثة.
اليوم، يرى محللون ومثقفون إيرانيون أن ما يطرحه ترامب يعيد إنتاج هذا الفصل التاريخي، بما يحمله من تهديد مباشر للسيادة، وهو ما قد يعيد إحياء الروح التي مهدت لاحقًا لاندلاع الثورة الإسلامية.
مأزق النظام
رغم الضربات القاسية التي تلقاها النظام الإيراني، بما في ذلك استهداف عدد من قياداته في بداية الحرب، إلا أنه لم ينهَر بالسرعة التي توقعها البعض. لكنه في المقابل يواجه معضلة مركبة: إدارة حرب مفتوحة بالتوازي مع تسيير شؤون دولة تعاني من ضغط اقتصادي وخدمي هائل.
توفير الغذاء والمياه والوقود والرعاية الصحية، إلى جانب تطبيق "اقتصاد الطوارئ"، لم يعد مجرد واجب إداري، بل أصبح عنصرًا أساسيًا في الحفاظ على شرعية النظام، التي تُعد إحدى الركائز المؤسسية للثورة الإسلامية.
صراع داخل القيادة
داخل دوائر الحكم، يدور نقاش حاد حول طبيعة المرحلة المقبلة. فهناك تيار راديكالي يدفع باتجاه تسليم السلطة بالكامل إلى الحرس الثوري، الذي يسيطر بالفعل على نحو نصف الاقتصاد الإيراني، والدعوة إلى إقامة نظام عسكري يتبنى استراتيجية "الحرب الثابتة".
في المقابل، يتمسك تيار آخر يُعرف بالإصلاحي، بضرورة الحفاظ على الطابع المدني للدولة، والعمل على إشراك القوى السياسية والنخب البيروقراطية في إدارة الأزمة، بما يخلق مظهرًا من التمثيل الشعبي ويُضعف الدعوات إلى إسقاط النظام.
الدبلوماسية في الظل
وفقًا لما نقلته مصادر عربية، فإن هناك تحركات دبلوماسية تجري بعيدًا عن الأضواء، تشمل دولًا مثل تركيا وسلطنة عمان وقطر والعراق، بهدف فتح قنوات اتصال بين طهران وواشنطن.
تشير هذه المحادثات إلى انخراط مسؤولين رفيعي المستوى، من بينهم مستشارون للقيادة الإيرانية وأعضاء في الحرس الثوري، إلى جانب شخصيات من مكتب الرئيس مسعود بزشكيان، في محاولة لاستكشاف مسارات دبلوماسية محتملة، رغم الخطاب العدائي العلني.
خياران أحلاهما مر
في ظل تصاعد الضغوط الاقتصادية العالمية وارتفاع كلفة الحرب، تزداد التوقعات داخل الأوساط السياسية الأمريكية بأن ترامب سيضطر قريبًا إلى اتخاذ قرار حاسم بشأن مآلات هذه الحرب.
الخيار الأول يتمثل في التوصل إلى اتفاق، وهو ما يعني عمليًا الاعتراف بالنظام الإيراني والدخول في حوار معه، رغم أن إسقاطه كان أحد مبررات الحرب. أما الخيار الثاني، فهو الانسحاب الأحادي، مع الاكتفاء بما تم تحقيقه من تدمير للبنية التحتية النووية والبالستية، واعتباره "نصرًا".
لكن كلا الخيارين يحمل في طياته مخاطر استراتيجية وسياسية كبيرة، سواء على مستوى صورة أمريكا أو على مستوى توازنات المنطقة.
سؤال هرمز المفتوح
في نهاية المطاف، يبدو أن السؤال الذي يشغل دونالد ترامب ليس شكل النظام الذي سيحكم إيران، بل كيفية ضمان حرية الملاحة في الخليج دون الانزلاق إلى مستنقع استنزاف طويل.
هنا تحديدًا يبرز شبح حرب فيتنام، ليس كذكرى بعيدة، بل كتحذير حي من تكرار تجربة تورط عسكري طويل ومكلف، قد يتخذ هذه المرة شكلًا بحريًا عنوانه: مضيق هرمز.










