أكد خبير الإعلام الرقمي وهندسة أنظمة التأثير، سائد حسونة، في تصريحات خاصة لموقع "180 تحقيقات"، أن الحصار الطويل ونقص الموارد في قطاع غزة لم يؤثرا فقط على الجوانب الاقتصادية والخدمية التقليدية، بل تركا أثراً بنيوياً عميقاً على تطور البنية التحتية التكنولوجية ذاتها.
وأوضح حسونة أن أي بيئة رقمية حديثة تستند بالضرورة إلى ثلاثة ركائز أساسية: اتصالات مستقرة، كهرباء منتظمة، وسهولة الوصول للمعدات التقنية، وهي عناصر تعاني في غزة من اختلال مزمن نتيجة القيود المعقدة على إدخال المكونات التقنية وتحديث الشبكات بوتيرة أبطأ من المعدلات العالمية، هذا الواقع القسري فرض على البيئة التكنولوجية في غزة أن تتطور وفق "منطق التكيف" بدلاً من "منطق النمو الطبيعي"، حيث يضطر الفاعلون في هذا القطاع لابتكار حلول استثنائية للالتفاف على العوائق الهيكلية، مما جعل التطور التقني في القطاع يتسم بالمرونة العالية في مواجهة الأزمات، لكنه في المقابل يظل مكبلاً بتكاليف تشغيلية باهظة وغير اعتيادية مقارنة بالأسواق المستقرة.
تحديات الشركات والسيادة الرقمية
انعكس هذا الواقع المرير بوضوح على أداء شركات التكنولوجيا والبرمجيات داخل القطاع، حيث يرى سائد حسونة أن الحفاظ على استمرارية التشغيل اليومي يمثل التحدي الأكبر لهذه المؤسسات فالشركات البرمجية التي تتطلب اتصالاً ثابتاً وسيرفرات آمنة تضطر لبناء منظومات طاقة بديلة مكلفة تشمل المولدات والبطاريات واشتراكات الإنترنت الاحتياطية، مع توزيع ساعات العمل وفق توفر الطاقة، وهو ما يرفع الكلفة التشغيلية بشكل ينهك الميزانيات بالإضافة إلى ذلك، تواجه هذه الشركات معوقات خارجية تتعلق بصعوبة الوصول إلى الخدمات السحابية العالمية وأنظمة الدفع الدولية والمنصات التقنية الحديثة نتيجة القيود المفروضة، مما يضع المطور الفلسطيني في صراع دائم لتأمين الأدوات الأساسية لبيئات التطوير، وهو ما يؤكد أن التكنولوجيا في غزة ليست مجرد قطاع اقتصادي، بل هي معركة يومية لإثبات الوجود الرقمي وتجاوز العزل التقني المفروض بقرارات سياسية وأمنية.
الابتكار كوسيلة للبقاء الاقتصادي
رغم قتامة المشهد الخدماتي، يلفت حسونة الانتباه إلى قدرة الشباب في غزة على خلق مساحات ابتكار حقيقية، مستفيدين من طبيعة التكنولوجيا التي تتجاوز حدود الجغرافيا. فقد اتجه جيل واسع نحو مجالات البرمجة، التصميم الرقمي، والأمن السيبراني كواجهة مباشرة على السوق العالمي، ونشأت في غزة بيئات "تعلم ذاتي" صلبة تعتمد على المجتمعات الرقمية والدورات المفتوحة بعيداً عن الأطر المؤسسية التقليدية.
هذا الجيل طور قدرة فائقة على التكيف السريع لأن البيئة المحيطة فرضت عليه التعامل مع التكنولوجيا كـ "وسيلة بقاء اقتصادي" لا كرفاهية مهنية، مما أنتج كفاءات بشرية عالية استطاعت المنافسة دولياً من داخل بيئات محدودة الإمكانات ومع ذلك، يظل ضعف الإنترنت والكهرباء يضرب في مقتل فرص التعليم الرقمي والعمل عن بُعد، حيث ينفق المستقلون جزءاً كبيراً من دخلهم لتأمين الحد الأدنى من الاستمرارية المهنية، مما يضعف قدرتهم التنافسية أمام أقرانهم في بيئات أكثر استقراراً، ليس لنقص في المهارة، بل لصعوبة الالتزام التقني بمواعيد الاجتماعات ورفع الملفات الضخمة.
استثمار العقول والفرص الواعدة
في ختام رؤيته، يشدد سائد حسونة على أن الفرصة الحقيقية لتطوير قطاع التكنولوجيا في غزة تكمن في الاستثمار الكثيف في رأس المال البشري، فالمورد الأهم ليس المعدات التي يمكن استبدالها بل العقول التي لا يمكن حصارها. وتمتلك غزة قاعدة شبابية تمتلك استعداداً فطرياً وعلمياً للعمل الرقمي، وإذا ما توفرت بيئة تشغيلية أقل هشاشة وبرامج دعم تقني ومساحات عمل مجهزة، يمكن لهذا القطاع أن يتحول إلى قاطرة نمو تخلق دخلاً خارجياً ثابتاً وتدعم الاقتصاد المحلي بشكل مستدام وإن التكنولوجيا تتميز بأنها أقل اعتماداً على الحركة المادية مقارنة بالصناعات التقليدية، مما يمنحها ميزة استراتيجية في بيئة محاصرة، والتحدي اليوم ليس في غياب القدرة، بل في وجود قدرة هائلة تعمل تحت ضغط استثنائي، وأي تحسن طفيف في البنية الرقمية سينعكس انفجاراً في الإنتاج التكنولوجي، لأن الأساس البشري جاهز تماماً للانطلاق فور توفر بيئة عمل عادلة ومستقرة.










