بين رطوبة المشاتل وصخب "سوق الغزل" في بغداد ، تضيع حقوق كائنات حية لا صوت لها. إن ما يحدث اليوم ليس مجرد تجارة بل هو واقع يغيب فيه الضمير الرقابي، حيث تُعرض الحيوانات في ظروف تفتقر لأدنى معايير الإنسانية، مما يحول الهواية إلى خطر يهدد الصحة العامة للأنسان والحيوان على حد سواء.
سجون "مزيّنة" بالخضار
خلف الواجهات الجميلة للمشاتل المنتشرة في الاعظمية و مناطق أخرى في بغداد ، تعيش مئات الحيوانات واقعاً مأساوياً في بيئة غير ملائمة ،فتُحبس الكلاب والقطط والطيور في أقفاص ضيقة جداً لا تسمح لها بالحركة الطبيعية، وسط روائح الأسمدة والفضلات التي تضر بجهازها التنفسي وحتى اماكن لا تراعي ظروف الطقس من برودة الشتاء او حرارة الصيف اللاهب .
أما الإهمال الطبي لها فهو على رأس القائمة و تفتقر معظم هذه "المعارض" إلى إشراف بيطري مقيم فتشاهد بعض الحيوانات مريضة وتحتاج الى رعاية وتُعرض جنباً إلى جنب مع السليمة ويقل سعرها للخلاص منها بأسرع وقت ، مما يحول المشتل إلى بؤرة للأمراض المشتركة فيما بينها .
سوق الغزل: "مقصلة" الجمعة
في سوق الغزل الشهير يتحول الحيوان إلى "بضاعة" صلبة تحت ظروف قاسية حيث تُنقل الحيوانات في صناديق خشبية أو أكياس بلاستيكية تحت درجات حرارة تتجاوز الـ 45 مئوية في صيف بغداد، دون توفير ماء كافٍ أو تهوية.
أما ما يُعرف بالتجارة السوداء بسبب غياب الرقابة وهي بيع حيوانات برية (ثعالب، ذئاب، صقور نادرة..الخ ) يتم انتزاعها من بيئتها الطبيعية بطرق مختلفة وصيد جائر ، مما يدمر التوازن البيئي في العراق.
فرغم وجود قوانين بيطرية وبيئية، إلا أن تطبيقها على الأرض يكاد يكون معدوماً فالاستيراد عشوائي، تدخل آلاف الحيوانات عبر الحدود دون فحص "حجر صحي" حقيقي، مما قد يدخل سلالات حاملة لفيروسات لم تكن موجودة في العراق سابقاً.
ولا توجد لجان تفتيشية دورية تفرض عقوبات على أصحاب المشاتل الذين يسيئون معاملة الحيوانات أو يعرضونها للموت البطيء في الأقفاص.
حين يسقط "الرفق بالحيوان" من الحسابات
التهميش الحقيقي يقع على عاتق الدولة والمجتمع في آن واحد ،اولها تنظيم هذه التجارة وتوفير مراكز إيواء صحية أو أسواق بمعايير دولية، ولكن تُرك الأمر للعشوائية، مما جعل "الربح السريع" يتفوق على "الرفق بالحيوان".
وهذا التسيب ليس ضرر على الحيوان فقط بل يجعل المجتمع عرضة لأمراض خطيرة (كداء الكلب، الحمى النزفية، والأمراض الجلدية المعدية)، بسبب اختلاط الحيوانات المهربة بالبشر دون رقابة صحية صارمة.
صرخة من أجل التنظيم
إن حماية الحيوان في بغداد هي في الحقيقة حماية للمجتمع. لا يمكن أن تستمر هذه التجارة كـ"غابة" لا يحكمها قانون. أن تفعيل قانون الرفق بالحيوان رقم (17) لسنة 2013" الذي جاء ليعالج الفراغ التشريعي وينظم كيفية التعامل مع الحيوانات وحمايتها من القسوة، لكن المشكلة الأساسية تكمن في ضعف التفعيل على أرض الواقع، خاصة في أماكن مثل "سوق الغزل" أو المشاتل.
يجب ان تعالج بفرض غرامات وعقوبات قاسية على الإساءة الجسدية للكائنات المعروضة. وإغلاق المواقع غير المرخصة بيطرياً وتحويل سوق الغزل إلى سوق نموذجي تحت إشراف وزارة الصحة والزراعة. كما يحتاج المجتمع الى نشر ثقافة التبني بدلاً من ثقافة الشراء التي تشجع على الاستيراد والتهريب غير القانوني ، والتعامل الحسن مع الحيوانات البرية وعدم الصيد الجائر .ولا ننسى ان وجود قاعدة بيانات رقمية لكل حيوان مستورد هو ضرورة لتنظيم الوضع وكذلك السيطرة على التوازن البيئي بتنوع الحيوانات ووجودها داخل العراق .













