يرى الباحث الاقتصادي أحمد أبو قمر أن أزمة الخبز المتصاعدة في قطاع غزة لم تعد مجرد مشكلة تموينية عابرة، بل هي أحد أبرز المؤشرات الاقتصادية التي تدلل على اختلال عميق في هيكلية السوق الغذائي الوطني، حيث يوضح أبو قمر أن انخفاض كميات الخبز المنتجة بنسبة تصل إلى 30%، في وقت يظل فيه الطلب مرتفعاً بل ويزداد نتيجة النزوح والكثافة السكانية، يؤدي حتماً وبشكل فيزيائي اقتصادي إلى ارتفاع جنوني في الأسعار وظهور "السوق السوداء" التي تقتات على حاجة الناس.
إن هذا الخلل ليس نتاج صدفة، بل هو انعكاس لبيئة اقتصادية مشوهة فقدت توازنها تحت وطأة الحصار والعدوان، مما جعل الوصول إلى رغيف الخبز يمثل تحدياً يومياً يختبر قدرة المواطن على البقاء في ظل ظروف معيشية هي الأصعب عالمياً.
فجوة الأسعار: زيادة 400% بين المدعوم والسوق السوداء
يكشف الباحث أحمد أبو قمر عن أرقام صادمة تعكس حجم الفجوة السعرية التي يدفع ثمنها المواطن البسيط، حيث يشير إلى أن سعر ربطة الخبز المدعوم من برنامج الأغذية العالمي محدد بـ 3 شواكل فقط، لكن الواقع المرير يفرض بيعها في السوق الموازي بأسعار تتراوح بين 7 إلى 15 شيكلاً، وهو ما يعني زيادة فلكية تصل إلى 400% عن السعر الرسمي المفترض. ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل يمتد ليشمل المواد الخام الأساسية، حيث ارتفع سعر كيس الطحين من 25 شيكلاً إلى نحو 70 شيكلاً، بنسبة زيادة تقارب 180%.
هذه القفزات السعرية، بحسب تحليل أبو قمر، تؤكد أن المنظومة الرقابية والتوزيعية تعاني من ثغرات خطيرة تسمح بتسرب السلع المدعومة إلى أيدي المضاربين، مما يفرغ المساعدات الدولية من مضمونها الإنساني ويحولها إلى تجارة رابحة على حساب الجوعى.
الخبز كعبء يومي في ظل تراجع الدخل
يؤكد الباحث الاقتصادي أحمد أبو قمر أن الخبز، بصفته السلعة الأساسية الأكثر ارتباطاً بالأمن الغذائي، أصبح يمثل عبئاً مالياً ونفسياً يومياً على كاهل الأسر الفلسطينية في غزة، خاصة إذا ما علمنا أن 95% من الأسر الغزية تعتمد بشكل كلي على المساعدات الإغاثية في ظل انعدام فرص العمل وتراجع الدخل القومي.
ويشدد أبو قمر على أن المشكلة لا تكمن في السعر المرتفع فحسب، بل في "بنية التوريد" نفسها التي تعرضت لضربات قاصمة، بدءاً من تقليص عدد شاحنات المساعدات المسموح بدخولها، وصولاً إلى تعطل عمل المخابز المركزية نتيجة الاستهداف أو نقص الصيانة، وهو ما خلق حالة من الشح الذي يغذي الاحتكار ويرفع تكلفة الوصول للقمة العيش قبل أن يرفع سعرها المادي.
عوامل الانهيار: من نقص السولار إلى غياب قطع الغيار
في قراءته العميقة لأسباب الأزمة، يعدد أحمد أبو قمر مجموعة من العوامل التقنية واللوجستية التي أدت إلى شلل قطاع المخابز، وفي مقدمتها النقص الحاد في وقود "السولار" اللازم لتشغيل الأفران، وغياب الزيوت النباتية الضرورية لعملية العجن، فضلاً عن الندرة الشديدة في قطع غيار الآلات والمعدات التي تعطلت نتيجة الاستخدام المستمر أو القصف، هذه العوامل مجتمعة، يضيف أبو قمر، أدت إلى خروج العديد من المخابز عن الخدمة، مما قلل المعروض السلعي إلى مستويات خطرة. إن غياب هذه المدخلات الإنتاجية يعني توقف "دورة الحياة" للرغيف، ويحول المخابز من مؤسسات إنتاجية خدمية إلى أطلال تنتظر الوقود والمواد الخام، مما يترك مئات الآلاف من المواطنين في طوابير طويلة بحثاً عن كمية محدودة من الخبز قد لا تتوفر في نهاية المطاف.
الحلول المقترحة: إعادة التشغيل وضبط الرقابة
واختتم الباحث أحمد أبو قمر إلى أن استمرار المعطيات الحالية سيحول الخبز من حق إنساني أساسي إلى "سلعة نادرة" لا يمتلكها إلا المقتدرون مالياً، وهو ما ينذر بكارثة إنسانية أعمق.
وللخروج من هذا النفق، يطرح أبو قمر ضرورة تبني استراتيجية عاجلة تقوم على ثلاثة ركائز أساسية: أولاً، إعادة تشغيل كافة المخابز المعطلة وتأمين تدفق مستدام للوقود والطحين والمدخلات الفنية؛ ثانياً، فرض رقابة صارمة وحقيقية على سلاسل التوزيع لمنع تسرب الخبز والطحين المدعوم إلى السوق السوداء؛ وثالثاً، زيادة كميات المساعدات الداخلة عبر المعابر لتتناسب مع الحاجة الفعلية للسكان. إن غياب هذه الإجراءات، بحسب أبو قمر، يعني استمرار الانهيار الغذائي وتحول لقمة العيش إلى وسيلة للضغط والابتزاز الاقتصادي، وهو ما يجب التصدي له فوراً لضمان كرامة وأمن المواطن الغذائي.










