20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

اليوم 29 من الحرب على لبنان: تصعيد مستمر وخسائر متزايدة

إن هذا العدوان الذي دخل شهره الثاني لم يترك قطاعاً في الدولة اللبنانية إلا وأصابه بالشلل التام، حيث باتت لغة النار هي السائدة في ظل غياب أي أفق حقيقي

بقلم: محمد خميس
٣٠ مارس ٢٠٢٦
5 دقائق قراءة
14 مشاهدة
لبنان

لبنان

يدخل لبنان اليوم التاسع والعشرين من الحرب المستعرة وسط مشهد ميداني يتسم بالتصعيد العنيف والمتواصل، حيث لم تعد رقعة الاستهداف تقتصر على القرى الحدودية في الجنوب، بل امتدت لتطال عمق الضاحية الجنوبية لبيروت ومناطق واسعة في البقاع والشمال، مما أدى إلى سقوط آلاف الشهداء والجرحى وتدمير هائل في البنى التحتية والمباني السكنية.

 إن هذا العدوان الذي دخل شهره الثاني لم يترك قطاعاً في الدولة اللبنانية إلا وأصابه بالشلل التام، حيث باتت لغة النار هي السائدة في ظل غياب أي أفق حقيقي لوقف إطلاق النار، وسط إصرار من الاحتلال الإسرائيلي على اتباع سياسة الأرض المحروقة في المناطق الحدودية، وهو ما يظهر جلياً في عمليات التفخيخ والتدمير الممنهج لأحياء كاملة في بلدات الجنوب، بهدف خلق منطقة عازلة خالية من الحياة، مما يضع المجتمع الدولي أمام اختبار أخلاقي وقانوني حقيقي لوقف هذه التجاوزات الصارخة للقوانين الدولية الإنسانية.

التصعيد المستمر والخسائر المتزايدة: فاتورة باهظة يدفعها المدنيون في كافة المناطق

على مدار الساعات الأربع والعشرين الماضية، كثف الطيران الحربي غاراته الجوية التي استهدفت مراكز حيوية وتجمعات سكنية، مما رفع حصيلة الخسائر البشرية إلى مستويات قياسية لم يشهدها لبنان منذ عقود طويلة. 

وتشير التقارير الميدانية إلى أن الاستهدافات لم تعد تميز بين أهداف عسكرية ومدنية، حيث طال القصف أطقم الإسعاف والدفاع المدني والمراكز الصحية، في محاولة واضحة لكسر إرادة الصمود الشعبي وتعطيل خدمات الإغاثة الأساسية. 

إن حجم الدمار الذي لحق بالقطاع الزراعي في الجنوب والبقاع، بالإضافة إلى تضرر المصانع والمؤسسات التجارية، ينذر بكارثة اقتصادية طويلة الأمد ستعاني منها الدولة اللبنانية لسنوات قادمة، خاصة في ظل العجز الحكومي عن توفير التعويضات اللازمة أو البدء في عمليات ترميم أولية للمناطق المنكوبة التي لا تزال تحت خطر القصف المستمر.

لبنان بين القصف والنزوح: أزمة إنسانية تتفاقم في ظل شح الإمكانات والظروف القاسية

تعد أزمة النزوح الداخلي هي التحدي الأكبر والأكثر إلحاحاً في المشهد اللبناني اليوم، حيث تشير التقديرات الرسمية والأممية إلى أن عدد النازحين قد تخطى حاجز المليون ومائتي ألف شخص، توزعوا بين مراكز الإيواء المكتظة في المدارس والجامعات، وبين من لجأوا إلى الشقق المستأجرة أو افترشوا الساحات العامة والحدائق في بيروت والجبل.

 هذه الكتلة البشرية الضخمة تواجه ظروفاً معيشية وصحية بالغة الصعوبة، مع نقص حاد في الفرش والأغطية والمواد الغذائية وحليب الأطفال، فضلاً عن المخاوف الجدية من تفشي الأمراض المعدية نتيجة نقص المياه ووسائل النظافة الشخصية في مراكز الإيواء الجماعية.

 إن لبنان الذي كان يعاني أصلاً من أزمة اقتصادية ومالية طاحنة قبل الحرب، يجد نفسه اليوم غير قادر على تلبية الحد الأدنى من احتياجات هذا الجيش من النازحين دون دعم دولي عاجل وفعال يتجاوز الوعود الدبلوماسية إلى المساعدات العينية الملموسة.

الداخل اللبناني: انقسام سياسي حاد يعمق جراح الحرب ويشل القدرة على اتخاذ القرار

بالتوازي مع دوي الانفجارات، يعيش الداخل اللبناني حالة من الغليان السياسي والانقسام الذي لم يفلح العدوان في تبديده، بل على العكس، فقد زادت الحرب من حدة الاستقطاب بين القوى السياسية المختلفة حول جدوى الانخراط في النزاع وكيفية حماية لبنان من التداعيات الإقليمية. 

فبينما يرى فريق أن المقاومة هي السبيل الوحيد لردع الأطماع الإسرائيلية وحماية السيادة الوطنية، يحمل فريق آخر الأطراف المسلحة مسؤولية استدراج الحرب وتدمير البلاد، مطالبين بضرورة التطبيق الفوري للقرارات الدولية وعلى رأسها القرار 1701 وحصر السلاح بيد الجيش اللبناني فقط. هذا الانقسام لا يقتصر على التصريحات الإعلامية، بل يمتد ليعرقل انتخاب رئيس للجمهورية وتفعيل عمل الحكومة بشكل كامل، مما يجعل الدولة اللبنانية جسداً بلا رأس في مواجهة واحدة من أعنف الأزمات الوجودية التي مرت على تاريخها الحديث.

الاستراتيجية العسكرية والمنطقة العازلة: طموحات الاحتلال واصطدامها بصمود الميدان

يبدو من سياق العمليات العسكرية في اليوم التاسع والعشرين أن الاحتلال يسعى لفرض واقع جغرافي وديموغرافي جديد في الجنوب اللبناني، من خلال تكثيف العمليات البرية ومحاولات التوغل في عدة محاور استراتيجية إلا أن هذه المحاولات تصطدم بمقاومة شرسة ودفاعات محكمة تكبد القوات المهاجمة خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد، مما يحول المعركة إلى حرب استنزاف طويلة الأمد.

 إن الرهان الإسرائيلي على كسر الحاضنة الشعبية عبر التهجير القسري وتدمير القرى لم يؤدِ حتى الآن إلى النتائج السياسية المرجوة، بل زاد من حالة الالتفاف حول خيار الصمود والمواجهة. 

وفي ظل هذا الانسداد الميداني، يبقى الخوف الأكبر من انزلاق الأمور إلى حرب إقليمية واسعة النطاق تتجاوز الجغرافيا اللبنانية، في حال فشلت الجهود الدولية التي تقودها بعض العواصم الكبرى في التوصل إلى صيغة توافقية تضمن الأمن والسيادة وتوقف نزيف الدماء المستمر.

محمد خميس

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال