21 يوليو 2026|القاهرة 28 °

احتجاجات الغرب تتصاعد رفضاً للحرب وتكشف أزمة سياسات واشنطن الخارجية

شهدت الولايات المتحدة وأوروبا موجة احتجاجات واسعة مناهضة للحرب، تعد الأكبر من نوعها منذ حرب العراق عام 2003. وقد خرج مئات الآلاف إلى الشوارع والساحات العامة والجامعات، مطالبين بوقف فوري لإطلاق النار، وسحب القوات الأمريكية، وإنهاء ما وصفوه بسياسات واشنطن التصعيدية في الشرق الأوسط.

بقلم: أخبار ومتابعات
٣١ مارس ٢٠٢٦
8 دقائق قراءة
9 مشاهدة
[1/5]متظاهرون يشاركون في مظاهرة "لا للملوك" ضد سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في واشنطن يوم السبت. تصوير: إيفلين هوكستين – رويترز

[1/5]متظاهرون يشاركون في مظاهرة "لا للملوك" ضد سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في واشنطن يوم السبت. تصوير: إيفلين هوكستين – رويترز

منذ إطلاق العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران في أواخر فبراير 2026، شهدت الولايات المتحدة وأوروبا موجة احتجاجات واسعة مناهضة للحرب، تعد الأكبر من نوعها منذ حرب العراق عام 2003. وقد خرج مئات الآلاف إلى الشوارع والساحات العامة والجامعات، مطالبين بوقف فوري لإطلاق النار، وسحب القوات الأمريكية، وإنهاء ما وصفوه بسياسات واشنطن التصعيدية في الشرق الأوسط.

تكشف هذه الاحتجاجات عن تحولات عميقة في الرأي العام الغربي، حيث تشير استطلاعات حديثة إلى أن نسبة معارضة الحرب تجاوزت 55 إلى 65% في الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا وفرنسا، مدفوعة بارتفاع أسعار الطاقة، وسقوط ضحايا مدنيين في إيران، وتصاعد المخاوف من اندلاع حرب إقليمية أوسع. ومع تطور هذه التحركات من احتجاجات طلابية محدودة إلى تحالف واسع يضم نقابات عمالية وسياسيين تقدميين وقدامى المحاربين وحتى تيارات محافظة انعزالية، أصبحت تمثل تحدياً سياسياً مباشراً لإدارة واشنطن وحلفائها.

سياق الحرب

اندلع الصراع الحالي بعد ضربات إسرائيلية استهدفت مواقع نووية وعسكرية إيرانية، أعقبها تدخل أمريكي مباشر، ما أدى إلى تصعيد سريع نحو مواجهة متعددة الجبهات. وقد عززت واشنطن حضورها العسكري من خلال نشر حاملات طائرات إضافية، والموافقة على حزم تسليح طارئة، وتنفيذ ضربات جوية، في خطوة وصفت رسمياً بأنها دفاع عن الحلفاء والاستقرار العالمي.

لكن هذا التبرير الرسمي لم ينجح في إقناع الرأي العام الغربي، الذي بات يرى في هذه الحرب امتداداً لسلسلة من الحروب الطويلة والمكلفة التي خاضتها الولايات المتحدة، مثل أفغانستان والعراق. كما زادت الهجمات الصاروخية المباشرة التي نفذها أنصار الله على إسرائيل في 28 مارس 2026، والتهديدات التي طالت الملاحة في البحر الأحمر، من حدة القلق الشعبي، وسلطت الضوء على التكاليف الاقتصادية والإنسانية المتزايدة للصراع.

في هذا السياق، تحولت الحرب إلى عامل محفز للاحتجاجات، حيث تداخلت المخاوف الأمنية مع الضغوط الاقتصادية، ما خلق بيئة خصبة لتصاعد المعارضة الشعبية. وأصبح واضحاً أن استمرار التصعيد سيؤدي إلى تعميق الفجوة بين صناع القرار في واشنطن والرأي العام في الغرب، وهو ما يعيد طرح تساؤلات حول جدوى هذه السياسات على المدى الطويل.

اتساع الاحتجاجات

شهدت الولايات المتحدة أكثر من 200 مظاهرة منذ منتصف فبراير، أبرزها مسيرة "لا للملوك" في 26 مارس التي شارك فيها أكثر من 150 ألف شخص، إلى جانب اعتصامات مستمرة في جامعات كبرى مثل كولومبيا وكاليفورنيا وميشيغان. كما امتدت الاحتجاجات إلى مدن رئيسية مثل نيويورك وشيكاغو وبوسطن ولوس أنجلوس، حيث شارك فيها قدامى المحاربين وعائلات العسكريين الذين أعربوا عن مخاوفهم من إرسال جيل جديد إلى الحرب.

وفي أوروبا، شهدت عدة عواصم تحركات منسقة تحت شعار "أوروبا ضد الحرب"، حيث خرج عشرات الآلاف في لندن وباريس وبرلين وروما ومدريد. كما سجلت بريطانيا أكبر حشد مناهض للحرب منذ عام 2003، في حين ارتبطت الاحتجاجات في ألمانيا بانتقادات لسياسات الحكومة الداعمة للولايات المتحدة.

وامتدت هذه الموجة إلى دول غربية أخرى مثل كندا وأستراليا والسويد، حيث نظمت احتجاجات كبيرة، بالتوازي مع حملات رقمية جمعت ملايين التوقيعات خلال أسابيع قليلة. ولعبت وسائل التواصل الاجتماعي دوراً محورياً في تسريع التعبئة، مع انتشار واسع لوسوم تدعو لوقف الحرب ورفض السياسات العسكرية.

احتجاجات أمريكا 2
متظاهرون يشاركون في مظاهرة "لا للملوك" ضد سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في واشنطن يوم السبت. تصوير: إيفلين هوكستين – رويترز 


 

دوافع الرفض

تتعدد الأسباب التي تقف وراء تصاعد المعارضة الشعبية للحرب، في مقدمتها الضغوط الاقتصادية الناتجة عن ارتفاع أسعار النفط إلى أكثر من 110 دولارات للبرميل، ما أدى إلى زيادة معدلات التضخم وارتفاع تكاليف الطاقة على الأسر. وقد كان لهذا العامل تأثير كبير في أوروبا، التي لا تزال تعاني من آثار أزمة الطاقة السابقة، مما جعل المواطنين أكثر حساسية تجاه تداعيات أي صراع جديد.

إلى جانب ذلك، لعبت الاعتبارات الإنسانية دوراً محورياً، حيث انتشرت صور ومقاطع توثق سقوط شهداء مدنيين في إيران، ما أثار موجة تعاطف وغضب واسعة. واتهمت منظمات حقوقية الولايات المتحدة بالمساهمة في استخدام قوة مفرطة، وهو ما أدى إلى تآكل ما يُعرف بالشرعية الأخلاقية للغرب في نظر الكثيرين.

كما تعكس الاحتجاجات تحولات سياسية وأيديولوجية، حيث يرى التيار التقدمي أن الحرب استمرار لسياسات إمبريالية، بينما يدعو التيار المحافظ الانعزالي إلى التركيز على القضايا الداخلية. أما الشباب والطلاب، فقد أظهروا شكوكاً متزايدة تجاه الروايات الرسمية، مستلهمين تجارب احتجاجات سابقة، وهو ما يعكس جيلاً رقمياً أكثر وعياً وتأثيراً.

التحالفات السياسية

تشكلت تحالفات واسعة تقود الاحتجاجات، تضم منظمات مناهضة للحرب، وشبكات أوروبية، وائتلافات طلابية جديدة، ما يعكس اتساع القاعدة الاجتماعية لهذه الحركة. كما حظيت الاحتجاجات بدعم سياسي من بعض الديمقراطيين التقدميين، إلى جانب أصوات جمهورية ذات توجهات انعزالية، ما منحها زخماً داخل المؤسسات السياسية.

وشاركت النقابات العمالية في هذه التحركات، حيث أصدرت بيانات تعارض الحرب، معتبرة أنها تؤثر سلباً على العمال والقطاعات الاقتصادية، خاصة تلك المرتبطة بالطاقة. ويعكس هذا الانخراط بعداً اقتصادياً واجتماعياً يعزز من قوة الحركة الاحتجاجية ويمنحها طابعاً جماهيرياً أوسع.

التداعيات السياسية في واشنطن

تمثل هذه الاحتجاجات ضغطاً مباشراً على صناع القرار في واشنطن، حيث يواجه بعض السياسيين تحديات داخلية متزايدة، فيما بدأت الإدارة الأمريكية في استكشاف خيارات دبلوماسية بشكل غير معلن. وفي الوقت ذاته، تؤدي هذه الضغوط إلى تعقيد العلاقات عبر الأطلسي، مع تزايد التباين بين الحكومات والرأي العام في أوروبا.

كما تؤثر هذه التحركات على صورة واشنطن عالمياً، حيث تستغل دول مثل إيران وروسيا والصين هذه الاحتجاجات لتأكيد ما تصفه بازدواجية المعايير الغربية، مما يضعف القوة الناعمة الأمريكية. ويعكس ذلك تحولاً في ميزان التأثير العالمي، حيث لم تعد واشنطن قادرة على فرض روايتها بسهولة كما في السابق.

وتحمل هذه التطورات مخاطر إضافية، إذ قد تؤدي الاحتجاجات المستمرة إلى تغييرات في السياسات، مثل تقليص الدعم العسكري، أو على العكس، قد تثير ردود فعل داخلية مضادة إذا تصاعد العنف، ما يزيد من تعقيد المشهد السياسي الداخلي.

المآلات المستقبلية

تشبه هذه الحركة الاحتجاجية في طبيعتها وسرعة انتشارها احتجاجات حرب فيتنام والعراق، لكنها تتميز بقدرتها على الانتشار السريع عبر وسائل الاتصال الحديثة، ما يمنحها زخماً غير مسبوق. كما أن غياب تهديد مباشر للغرب يجعل من الصعب على الحكومات الحفاظ على دعم شعبي طويل الأمد للحرب.

وتتراوح السيناريوهات المحتملة بين نجاح الاحتجاجات في فرض وقف لإطلاق النار خلال أشهر، أو تصعيد الصراع بشكل يؤدي إلى تراجع الحركة الاحتجاجية لصالح دعم حكومي متزايد. إلا أن السيناريو الأكثر ترجيحاً يتمثل في استمرار هذه الاحتجاجات كعامل دائم يؤثر على السياسات الأمريكية في الشرق الأوسط.

في هذا الإطار، يبدو أن العلاقة بين الشارع الغربي وصناع القرار ستظل متوترة، مع استمرار الضغوط الاقتصادية والإنسانية، وهو ما سيجعل من عام 2026 نقطة تحول في تقييم السياسات الخارجية الأمريكية.

سياسات واشنطن الخارجية وإرادة شعوبها

تكشف الاحتجاجات المتصاعدة في الغرب عن فجوة عميقة بين سياسات واشنطن الخارجية وإرادة شعوبها، حيث تتداخل العوامل الاقتصادية والإنسانية والسياسية لتشكل موجة واسعة من الرفض. ومع دخول الحرب ضد إيران مرحلة حاسمة، يتزايد الضغط الشعبي لإنهاء الصراع، في وقت تتصاعد فيه تكاليفه على المستويين الداخلي والخارجي.

وتبقى الأسابيع المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كانت الحكومات ستستجيب لهذه الضغوط أو ستواصل نهجها التصعيدي، إلا أن المؤكد أن الاحتجاجات باتت عاملاً رئيسياً في رسم ملامح السياسة الدولية، ورسالة واضحة بأن الحروب المستمرة لم تعد مقبولة دون كلفة سياسية واقتصادية باهظة.

أخبار ومتابعات

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال