في خضم حرب إيران لم تتضح نهاياتها بعد، تبرز المبادرة الأميركية للتفاوض كعامل ضاغط يفرض إعادة تعريف المصالح الإسرائيلية، وخصوصًا فيما يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني. فهذه اللحظة ليست مجرد محطة عسكرية عابرة، بل منعطف استراتيجي قد يعيد صياغة قواعد الاشتباك الإقليمي برمّته، ويضع ملف إيران النووي في قلب معادلة جديدة أكثر تعقيدًا.
وقال تامير هايمان وراز تسيمت عن موقع «معهد الأمن القومي الإسرائيلي» أن انتهاء حرب «زئير الأسد»—إذا تحقق—لن يعيد الأمور إلى ما كانت عليه، بل سيخلق واقعًا مختلفًا جذريًا. فالنظام الإيراني، في حال استمراره بعد الضربات التي طالت بنيته القيادية، قد يتجه نحو تبنّي عقيدة أمن قومي أكثر تشددًا، ترتكز على السلاح النووي بوصفه ضمانة ردع وجودية لا بديل عنها. هذا التحول المحتمل يفرض، من منظور إسرائيلي، ضرورة التأكد من تجريد طهران من أي قدرة يمكن أن تشكل أساسًا لبرنامج نووي عسكري مستقبلي.
نهاية نموذج الاحتواء
تشير الورقة إلى أن النماذج السابقة لإدارة المخاطر، وعلى رأسها الاتفاق النووي المعروف باسم JCPOA، لم تعد صالحة في السياق الحالي. ففكرة “التخصيب المحدود تحت الرقابة” التي كانت محور النقاشات الدولية سابقًا، فقدت جدواها بعد التحولات التي فرضتها الحرب.
أحد أبرز أسباب ذلك هو تآكل الثقة السياسية. إذ ترى إيران أنها تعرضت لخداع خلال مسارات التفاوض، وهو شعور يتقاطع مع نزعة انتقامية قد تدفعها إلى رفض أي ترتيبات دبلوماسية مرنة مستقبلًا. وإذا ترسخ هذا الانطباع عبر جولات تفاوض تُجرى أثناء الحرب، فإن فجوة الثقة ستتسع إلى حد يصعب رأبه.
إلى جانب ذلك، لا يمكن تجاهل التراكم المعرفي الذي حققته إيران خلال السنوات الماضية. فقد طورت خبرات متقدمة في تشغيل أجهزة الطرد المركزي، وصياغة التصاميم المرتبطة بالرؤوس النووية، وإنتاج مكونات حساسة تدخل في صناعة السلاح النووي. ورغم الضربات التي استهدفت بعض العقول العلمية، فإن البنية البشرية والعلمية في إيران تظل قادرة على التعافي وإعادة البناء، ما يعني أن المعرفة النووية أصبحت رصيدًا استراتيجيًا يصعب محوه، ويمكن أن يختصر الطريق نحو إنتاج القنبلة حتى من مستويات تخصيب منخفضة.
تفكيك البنية النووية
في ضوء هذا الواقع، تدعو الورقة إلى تبنّي موقف إسرائيلي حازم يهدف إلى إحداث تغيير لا رجعة فيه في الوضع النووي الإيراني. ويتمحور هذا التوجه حول تفكيك شامل للبنية التحتية المرتبطة بالتخصيب، خصوصًا المنشآت المحصنة تحت الأرض، والتي تشكل عنصر حماية أساسيًا للبرنامج.
ويشمل ذلك مواقع رئيسية مثل فوردو ونطنز وأصفهان، إضافة إلى مواقع جديدة يُعتقد أنها أُنشئت لتعزيز القدرة على الصمود أمام الهجمات. هذه المنشآت، بحسب الطرح، يجب إغلاقها أو تدميرها بالكامل لضمان عدم إعادة تشغيلها في المستقبل.
كما يتطلب الأمر التعامل مع المواد الانشطارية نفسها، من خلال إخراج اليورانيوم عالي التخصيب من الأراضي الإيرانية أو خفض مستواه إلى درجات لا تسمح باستخدامه عسكريًا. ويوازي ذلك فرض قيود صارمة على البحث والتطوير، بما يشمل حظر امتلاك أجهزة الطرد المركزي المتقدمة وتجميد أي نشاط قد يرتبط بتسليح البرنامج النووي.
رقابة بلا قيود
لا تكتمل هذه الإجراءات دون إنشاء نظام رقابي شديد الصرامة، تتولاه الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بحيث يتمتع بسلطات واسعة تشمل الوصول غير المحدود إلى المواقع والمنشآت، ومراقبة جميع مراحل الإنتاج النووي، بما في ذلك الأنشطة ذات الاستخدام المزدوج التي قد تخفي أبعادًا عسكرية.
هذا الطرح يعكس قناعة بأن أي نظام رقابي محدود أو مؤقت لن يكون كافيًا في ظل الخبرة المتراكمة لدى إيران، وأن الشفافية الكاملة والدائمة هي الشرط الوحيد القادر على تقليص المخاطر.
بين السياسة والقوة
ترى الورقة أن تحقيق هذه الأهداف لا يرتبط بوسيلة واحدة، بل يستدعي العمل على مسارين متوازيين. الأول هو المسار السياسي، حيث يجب أن يكون تفكيك القدرات النووية شرطًا فعليًا ومسبقًا لأي اتفاق لوقف الحرب، وليس مجرد التزام مؤجل أو قابل للتأويل.
أما المسار الثاني فهو العسكري، ويقوم على فرضية أن فشل الجهود الدبلوماسية يجب أن يقابله استمرار العمليات العسكرية إلى حين تدمير البنية الحيوية للبرنامج النووي. في هذا السياق، تُطرح معادلة واضحة: كلفة استمرار المواجهة، رغم ارتفاعها، قد تبقى أقل من كلفة القبول بإيران تمتلك سلاحًا نوويًا.
ما بعد الحرب
في الخلاصة، تدعو الورقة إلى تبنّي نهج سياسي صارم، تقوده إسرائيل بالتنسيق مع حلفائها، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة، يقوم على رفض العودة إلى سياسات “الاحتواء” التي سادت في السابق. فالمعطيات الجديدة، كما ترى، تتطلب انتقالًا نحو استراتيجية أكثر حدة ووضوحًا في الأهداف.
وتتمثل التوصية العملية الأبرز في اعتبار تفكيك المنشآت النووية تحت الأرض وإزالة اليورانيوم عالي التخصيب “خطًا أحمر” لا يمكن التنازل عنه في أي ترتيبات لوقف إطلاق النار. إذ إن التراخي في هذه المرحلة، وفق هذا التصور، قد يمنح إيران فرصة لالتقاط أنفاسها وإعادة بناء برنامجها النووي، مستفيدة من دروس الحرب، ومقتربة تدريجيًا من امتلاك سلاح نووي على المدى المتوسط أو البعيد.










