20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

تعدد الجبهات: استراتيجية محسوبة أم انزلاق غير منضبط؟

إن هذا التوزيع الذكي للأدوار يسمح لإيران بالحفاظ على حالة من "اللاسلم واللاحرب"، وهي الحالة المثالية التي تتيح لها استنزاف خصومها اقتصادياً وعسكرياً

بقلم: محمد خميس
١ أبريل ٢٠٢٦
3 دقائق قراءة
5 مشاهدة
الحرب على إيران

الحرب على إيران

تعد استراتيجية "تعدد الجبهات" الركيزة الأساسية في العقيدة الأمنية والسياسية للجمهورية الإسلامية الإيرانية منذ عقود، حيث سعت طهران عبر شبكة معقدة من الحلفاء والوكلاء إلى نقل المعارك بعيداً عن حدودها الجغرافية المباشرة.

وفي ظل التصعيد الراهن الذي يشهده الإقليم، يبرز التساؤل الجوهري حول ما إذا كان هذا التعدد في الجبهات يمثل استراتيجية محسوبة بدقة تهدف إلى تعزيز الردع وتوسيع أوراق الضغط، أم أنه يمثل انزلاقاً غير منضبط قد يؤدي في نهاية المطاف إلى مواجهة مباشرة لا ترغب فيها طهران.

عقيدة "وحدة الساحات": الردع عبر الوكلاء

تعتمد إيران في تحركاتها الموازية على مفهوم "وحدة الساحات"، وهي رؤية استراتيجية تهدف إلى ربط مصير الجبهات المختلفة ببعضها البعض، بحيث يصبح المساس بأي طرف في المحور استدعاءً لرد فعل جماعي ومنسق. 

هذا النهج يمنح طهران قدرة هائلة على المناورة السياسية، حيث تستطيع تهديد أمن الملاحة في البحر الأحمر عبر الحوثيين، وفي الوقت ذاته تمارس ضغوطاً عسكرية على الحدود الشمالية لإسرائيل عبر حزب الله، بينما تظل هي في مقعد "المايسترو" الذي يدير الإيقاع دون التورط المباشر.

 إن هذا التوزيع الذكي للأدوار يسمح لإيران بالحفاظ على حالة من "اللاسلم واللاحرب"، وهي الحالة المثالية التي تتيح لها استنزاف خصومها اقتصادياً وعسكرياً، مع الإبقاء على مسارات التفاوض الدبلوماسي مفتوحة حول ملفات حساسة مثل البرنامج النووي ورفع العقوبات الاقتصادية، وإن الهجمات المتبادلة بين إيران وإسرائيل، والضربات التي تستهدف المصالح الأمريكية في المنطقة، ترفع منسوب التوتر إلى مستويات غير مسبوقة، حيث قد تجد طهران نفسها مضطرة للدفاع عن وجودها السيادي في حال قرر الخصوم استهداف العمق الإيراني مباشرة رداً على تحركات الوكلاء وإن الانتقال من "حرب الظل" إلى المواجهة الصريحة يمثل الكابوس الأكبر للقيادة الإيرانية، التي تفضل دائماً خوض معاركها عبر أدوات "القوة الناعمة والصلبة المشتركة" دون تعريض المركز (طهران) للخطر الوجودي، لكن اشتعال الجبهات المتعددة قد يفقدها السيطرة على ضبط إيقاع الردود المقابلة.

الدبلوماسية الإيرانية وتوظيف أوراق الضغط

لا يمكن فصل التحركات العسكرية الإيرانية في الجبهات المختلفة عن النشاط الدبلوماسي المكثف، حيث تسعى طهران دوماً لتحويل الإنجازات الميدانية إلى مكاسب على طاولة المفاوضات الدولية وإن تعدد الجبهات يمنح المفاوض الإيراني "حق الفيتو" غير الرسمي على استقرار العديد من دول المنطقة، وهو ما يجبر القوى الكبرى مثل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على وضع المطالب الإيرانية في الاعتبار عند صياغة أي ترتيبات أمنية إقليمية. 

وتجيد طهران لعبة "تجميد وتنشيط" الجبهات حسب الحاجة السياسية، فبينما تهدأ الجبهة العراقية لتسهيل الحوار مع واشنطن، قد تشتعل جبهة أخرى في مكان ما للضغط على عواصم القرار الأوروبي، مما يجعل من تعدد الجبهات أداة ديبلوماسية هجومية بامتياز، تهدف في النهاية إلى تثبيت مكانة إيران كقوة إقليمية مهيمنة لا يمكن تجاوزها.

محمد خميس

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال