بعد أربعة عقود من الانتظار ومنذ تلك الركلة التاريخية في ملاعب المكسيك عام 1986، حطم المنتخب العراقي قيود الغياب ليعلن للعالم "أسود الرافدين هنا" التأهل لمونديال 2026 ليس مجرد إنجاز رياضي، بل هو قصة صمود شعب استمد أمله من كرة قدم ترفض الاستسلام.
الحلم يتحقق في "مونتيري"
لم تكن الطريق مفروشة بالورود بل كانت ملحمة توجت في الملحق العالمي. الفوز التاريخي على بوليفيا (2-1) كان بمثابة إعلان التحرر من عقدة الأربعين عاماً، ليثبت هذا الجيل أنه يمتلك القوة التي لا تنكسر.
رغم "عقبة المحيطات" وظروف النقل وبعيداً عن المستطيل الأخضر، يواجه المنتخب العراقي والجمهور تحدياً من نوع آخر، وهو ماراثون النقل الجوي وطريق السفر من بغداد إلى مدن استضافة المونديال (في الولايات المتحدة، كندا، والمكسيك) يمثل رحلة منهكة تتطلب تخطيطاً استثنائياً.
الحظر الجوي أزم الوضع وتستغرق الرحلة من العراق إلى قارة أمريكا الشمالية ما بين 15 إلى 20 ساعة طيران (مع التوقف). هذا الفارق الزمني الكبير (يتجاوز 8 ساعات) يتطلب وصول المنتخب قبل وقت كافٍ للتكيف البيولوجي لتجنب إرهاق اللاعبين.
أما المشجع من الجمهور العراقي وهم جمهور "الوطن البديل" الجاليات العراقية تحمل الراية ، في ظل الظروف القاسية التي يمر بها العراق، وحظر الطيران الذي يحرم آلاف المشجعين في الداخل من الطيران خلف منتخبهم لذا سيكون مشجعو المغترب هم "صوت العراق " في الملاعب الأمريكية والكندية والمكسيكية. هؤلاء الذين غادروا الوطن بسبب الحروب والظروف ، يجدون في تأهل المنتخب فرصة لاستعادة هويتهم .
الصدام القادم
_ اللعب مع فرنسا بطلة العالم السابقة ومدججة بالنجوم.
_ اللعب مع السنغال قوة أفريقيا البدنية والتكتيكية.
_ اللعب مع النرويج بوجود ماكينات تهديفية لا ترحم.
حتى وإن لم يحالفنا الحظ في تجاوز مجموعة "الموت" هذه، فإن المكاسب التي سيجنيها العراق من هذه المشاركة تتجاوز لغة الأرقام:
كسر العزلة الدولية: مجرد ظهور العلم العراقي وعزف النشيد الوطني أمام مليارات المشاهدين هو أكبر حملة "علاقات عامة" لتصحيح صورة العراق عالمياً، وإثبات أنه بلد ينبض بالحياة والإبداع.
تسويق المواهب: المونديال هو "سوق عكاظ" للاعبين. وجود كشافي الأندية العالمية سيضع لاعبينا تحت المجهر، مما يفتح الأبواب لاحتراف حقيقي يرفع من مستوى المنتخب مستقبلاً.
الاحتكاك بالصفوة: اللعب ضد "مبابي" أو "هالاند" يمنح الجيل الحالي خبرة تكتيكية وبدنية لا يمكن اكتسابها في عشرات الوديات. هذه المشاركة هي "الدرس الأول" لبناء منتخب مستدام للسنوات القادمة.
إلهام الأجيال: سيكبر الأطفال وهم يمتلكون طموحاً لا سقف له، مما يضمن تدفق المواهب في القاعدة الرياضية.
فالبصمة العراقية في 2026 لن تقاس بالأهداف فقط، بل بحجم الأمل الذي ستزرعه في قلوب الملايين رغم عناء السفر وقوة الخصوم، هو أول انتصار سيحققه العراق قبل إطلاق صافرة البداية.
أكثر من مجرد كرة قدم
في صيف 2026، لن يتابع العراقيون مباريات كرة قدم فحسب، بل سيشاهدون علم بلادهم يرفرف في أكبر محفل كوني. هذا التأهل هو رسالة بأن العراق قادر على اختصار المسافات وتجاوز المحيطات، وأن بصيص الأمل الذي حافظنا عليه لمدة 40 عاماً قد تحول أخيراً إلى حقيقة تحلق فوق السحاب.
وسواء كانت رحلتنا في المونديال قصيرة أو طويلة، فإننا قد فزنا فعلياً بمجرد الوصول. وإنها دعوة للمسؤولين الرياضيين لاستثمار هذا الظهور كمنصة لبناء بنية تحتية وعلاقات دولية رياضية متينة.










