منذ انطلاق العدوان الأمريكي–الإسرائيلي على إيران في نهاية فبراير، يتضح أن المسار العسكري لم يعد يتجه نحو حسم سريع، بل انزلق إلى نمط استنزافي طويل الأمد، رغم التفوق الجوي الواضح لواشنطن وتل أبيب. فقد تمكنت الضربات من تدمير آلاف الأهداف، بما يشمل منشآت نووية ومراكز قيادة وبنية الصواريخ، إلا أن طهران لا تزال تحتفظ بقدرة تشغيلية تتيح لها مواصلة الرد، ولو بوتيرة أقل.
وتشير تقديرات مراكز أبحاث مثل مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية CSIS ومعهد واشنطن إلى أن ما تحقق حتى الآن هو “تفوق تكتيكي” لا يرقى إلى مستوى الحسم الاستراتيجي. فإيران، رغم الضربات، لم تنهَر مؤسساتها الأمنية والعسكرية، ولا تزال قادرة على إدارة المعركة عبر مزيج من الصواريخ المحدودة والعمليات غير المباشرة.
هذا التناقض بين التفوق العسكري وعدم تحقيق الحسم يعكس مأزقًا كلاسيكيًا في الحروب الحديثة: القدرة على التدمير لا تعني القدرة على فرض الاستسلام. ووفقًا لتحليل صادر عن مؤسسة كارنيغي، فإن الحرب تحولت من “حرب اختيار” إلى “حرب ضرورة”، بعدما وجدت واشنطن نفسها مضطرة للاستمرار لتجنب الظهور بمظهر العاجز عن إنهاء الصراع.
السيناريو الأول: وقف التفاوض أو صفقة على الطريقة الفنزويلية
يجمع خبراء معهد بروكينغز ومجلس الأطلسي ومركز ستيمسون على أن الدبلوماسية تمثل المخرج الأكثر ترجيحاً للحرب، مدفوعة باستنزاف الطرفين بدلاً من انتصار أحدهما. تقدّم الولايات المتحدة مقترحاً من 15 نقطة عبر وسطاء باكستانيين، يطالب إيران بالتخلي عن مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب ووقف التخصيب والحد من برنامجها الصاروخي وقطع تمويل الوكلاء. ترفض طهران هذه الشروط علناً، لكن مصادر تشير إلى مرونة محتملة في قبول "شروط عملية" مقابل وقف الضربات واستئناف التصدير النفطي.
يصف شاران غروال من معهد بروكينغز هذا السيناريو بأنه "النموذج الفنزويلي" حيث يتم إزاحة القيادة العليا (وقد تحقق ذلك باغتيال خامنئي) ثم عقد صفقة مع البقايا العملانية أو المعتدلين في الحرس الثوري. تحصل واشنطن بموجب هذه الصفقة على تنازلات نووية ونفطية دون الحاجة إلى احتلال بري أو تغيير كامل للنظام. تستخدم إيران التصعيد كورقة تفاوضية لتحسين موقعها، وتسعى للحصول على ضمانات بعدم استهدافها مجدداً بعد انتهاء الحرب. قد تتبلور صفقة من هذا النوع في غضون أسابيع إذا استقرت أسعار النفط وخف الضغط على مضيق هرمز، رغم مخاطر عرقلة المتشددين في طهران أو تل أبيب لأي اتفاق.
السيناريو الثاني: استنزاف طويل وحرب تصعيدية مفتوحة
تشرح منى يعقوبيان من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية أن الاستراتيجية الإيرانية الحالية تقوم على مبدأ "لا تضبط التصعيد بل زده" بهدف إطالة أمد الحرب وتحويلها إلى معركة استنزاف. يتوقع هذا السيناريو استمرار الموجات الصاروخية والمسيرات منخفضة الحجم والمضايقات عبر الوكلاء والإغلاق المتقطع لمضيق هرمز لأشهر قادمة. قد تشهد الفترة المقبلة تصعيداً مفاجئاً عبر فتح جبهة لبنانية جديدة أو إغلاق الحوثيين لمضيق باب المندب، بينما تواصل واشنطن وتل أبيب حملاتهما الجوية ضد بقايا البرنامج النووي ومراكز القيادة.
يرى خبراء مؤسسة راند ومركز سوفان أن هذا السيناريو يلعب لصالح إيران، التي تمتلك مخزوناً محدوداً لكنه كافياً لمواصلة القتال، وتتحمل خسائر بشرية أكبر لكن نظامها القمعي يتحملها بسهولة. تواجه واشنطن في المقابل تكاليف متزايدة لاعتراض الصواريخ الرخيصة بصواريخ باهظة الثمن، وضغوطاً من حلفائها الخليجيين المتعبين، وتهديداً داخلياً من ارتفاع أسعار الوقود. لا يخرج هذا السيناريو بفائز واضح، بل يترك صراعاً مجمداً ومخاطر انتشار نووي أعلى مع إخفاء إيران ما تبقى من خبراتها النووية. قد تقفز أسعار النفط إلى أكثر من 150 دولاراً إذا اشتدت أزمة هرمز، مما قد يجبر الطرفين على هدنة قسرية.
السيناريو الثالث: عمليات برية محدودة.. إنزال على الجزر دون غزو شامل
تشير تسريبات البنتاغون ونشر وحدات من الفرقة 82 المحمولة جواً ومجموعات الإنزال البحري على متن سفن مثل "طرابلس" إلى استعدادات لعمليات برية محدودة إذا فشلت الضربات الجوية في تحقيق أهدافها. تستهدف هذه العمليات المحتملة جزيرة خارك التي تصدر 90% من النفط الإيراني، أو جزيرة قشم وغيرها من الجزر الاستراتيجية للسيطرة على المضيق وفرض إعادة فتحه. تنفذ هذه العمليات بواسطة قوات العمليات الخاصة والمارينز، وتكون قصيرة المدة وعالية التأثير، ولا تصل إلى حد الاحتلال الدائم للأراضي الإيرانية.
يؤكد خبراء مجلس الأطلسي أن الغزو الشامل لإيران يبقى سيناريو منخفض الاحتمال، لأن حجم البلاد وتضاريسها الوعرة وجيشها المؤلف من أكثر من 600 ألف جندي يجعل الاحتلال مستحيلاً بدون مئات الآلاف من الجنود. يحذر محللون مثل هاريسون مان من أن القوات الأمريكية قد تتحول إلى "رهائن دعائيين" في الجزر الصغيرة، حيث تصبح عرضة للصواريخ الساحلية والمسيرات الإيرانية من مسافة قريبة. قد تتحقق هذه العمليات إذا ظل مضيق هرمز مغلقاً بعد الموعد النهائي الذي حدده ترامب في 6 أبريل، لكن المخاطر كبيرة بالانزلاق إلى مستنقع حرب حضرية في المدن الإيرانية.
السيناريو الرابع: انقسام النظام أو حرب أهلية أو فوضى عارمة
يخلق اغتيال خامنئي فراغاً قيادياً غير مسبوق في النظام الإيراني، حيث تتصارع فصائل الحرس الثوري والمؤسسة الدينية والسياسية على خلافة المرشد. يرى خبراء معهد "فيجن أوف هيومانيتي" ومعهد أبحاث السياسة الخارجية أن انتقالاً منظماً للسلطة غير مرجح، وأن السيناريو الأكثر ترجيحاً هو صراع نفوذ داخلي قد يصل إلى حرب أهلية بين فصائل النظام. يحذر معهد بروكينغز من "سيناريو الانهيار والتفتت" الذي قد يكون أسوأ مما حدث في العراق وليبيا، مع بروز ميليشيات متناحرة وتدفق لاجئين إلى الجوار.
تحذر تحليلات مؤسسة راند ومعهد المشاريع الأمريكية من أن حتى "النصر الأمريكي" الكامل قد يترك جمهورية إسلامية متغيرة لكنها لا تزال قائمة، أو ربما خليفة أكثر خطورة من سابقتها. قد تسعى فصائل متطرفة داخل الحرس الثوري إلى الانتقام من الخليج أو استخدام الأسلحة المتبقية في هجمات إرهابية خارجية. يبقى السيناريو الأسوأ هو انهيار كل ضوابط الدولة وانتشار المواد الانشطارية أو الأسلحة الكيميائية في السوق السوداء.
المرحلة القادمة تتوقف على هرمز
يجمع المحللون في معهد الدراسات الاستراتيجية والدولية ومجلس الأطلسي ومؤسسة راند على أن التفوق العسكري الأمريكي الإسرائيلي لا يضمن نهاية الحرب بالشروط الغربية. يشدّد سيث جونز من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية على أن "الفوز في الحرب يتطلب تجنب المبالغة في الأهداف" والتركيز على أهداف محددة مع خطة خروج واضحة. لا يتوقع أي خبير هزيمة كاملة لإيران أو انسحاباً أمريكياً في الأيام المقبلة، بل تظل المرحلة القادمة مرهونة بمضيق هرمز وقدرة إيران على الاستمرار وقدرة ترامب على التحول من الإكراه إلى التسوية.
يختتم خبراء مجلس الأطلسي تحليلاتهم بتحذير شديد اللهجة، مؤكدين أن الحرب أطلقت "مواجهة من غير المرجح أن تنجح ومن المؤكد أنها ستنتج آثاراً غير مقصودة". تستمر الدبلوماسية عبر إسلام آباد في الخلفية، لكن هامشها ضيق جداً وحساسية التصعيد عالية جداً. في غضب هذه الحرب الهجينة، ستختبر الأيام المقبلة - التي قد تشهد محادثات رفيعة المستوى في إسلام آباد وغارات جوية مستمرة واستعدادات بحرية أمريكية - ما إذا كان الاستنزاف سيؤدي إلى مفاوضات أم أن الإرهاق سيولد فوضى أوسع. يعاد تشكيل الشرق الأوسط أمام أعيننا، وسيتوقف شكله النهائي على ما إذا كانت واشنطن وطهران ستجدان مخرجاً قبل أن تصبح التكاليف باهظة على الجميع.







