20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

د. أسعد العويوي يكتب: العالم يدفع الثمن.. بين ارتباك القرار في واشنطن وحسابات البقاء لدى بنيامين نتنياهو

في لحظات التوتر الكبرى، يميل الخطاب العام إلى تبسيط المشهد عبر اختزاله في شخصيات أو قرارات بعينها. غير أن قراءة أعمق تكشف أن ما يبدو “مراهقة سياسية” أو “صبيانية” في إدارة الأزمات

بقلم: د. أسعد العويوي
٢ أبريل ٢٠٢٦
4 دقائق قراءة
12 مشاهدة
العالم يدفع الثمن.. بين ارتباك القرار في واشنطن وحسابات البقاء لدى بنيامين نتنياهو

العالم يدفع الثمن.. بين ارتباك القرار في واشنطن وحسابات البقاء لدى بنيامين نتنياهو

في لحظات التوتر الكبرى، يميل الخطاب العام إلى تبسيط المشهد عبر اختزاله في شخصيات أو قرارات بعينها. غير أن قراءة أعمق تكشف أن ما يبدو “مراهقة سياسية” أو “صبيانية” في إدارة الأزمات، هو في كثير من الأحيان نتاج تداخل معقّد بين البُنى المؤسسية، وضغوط الداخل، وحسابات البقاء السياسي. ومع ذلك، فإن هذا التعقيد لا ينفي حقيقة أساسية: القرارات التي تُتخذ في مراكز القوة الكبرى قد تترك آثارًا تتجاوز حدودها، وتمتد لتطال استقرار النظام الدولي بأكمله.

في الحالة الأمريكية، تعكس السياسة الخارجية أحيانًا حالة من التذبذب بين نهجين: الواقعية البراغماتية التي تسعى إلى إدارة التوازنات، والمقاربات الأيديولوجية التي تميل إلى الحسم السريع أو فرض الرؤية. هذا التذبذب لا ينشأ من فراغ، بل يرتبط بديناميكيات داخلية تشمل الاستقطاب الحاد بين الأحزاب، وضغط الرأي العام، وتأثير المؤسسات الأمنية والاقتصادية. النتيجة قد تكون قرارات تبدو متسرعة أو غير متسقة، خاصة في أوقات الأزمات، حيث يُختزل الزمن المتاح للتفكير وتزداد الحاجة إلى إظهار الحسم.

أما في إسرائيل، فإن حسابات القيادة السياسية—وفي مقدمتها حسابات البقاء في السلطة—تلعب دورًا محوريًا في توجيه السياسات. يواجه بنيامين نتانياهو تحديات داخلية مستمرة، من انقسامات سياسية حادة إلى قضايا قانونية وضغط شعبي. في مثل هذا السياق، قد تتحول القرارات الأمنية إلى أدوات لإعادة تشكيل المشهد الداخلي، سواء عبر تعزيز صورة القيادة القوية أو إعادة توحيد القاعدة السياسية في مواجهة “خطر خارجي”. هذه الديناميكية ليست حكرًا على إسرائيل، لكنها تصبح أكثر حساسية في بيئة إقليمية متوترة بطبيعتها.

التفاعل بين هذين المستويين—الأمريكي والإسرائيلي—يخلق دائرة تغذية متبادلة. الدعم الأمريكي، سواء كان سياسيًا أو عسكريًا، يمنح صانع القرار الإسرائيلي هامش حركة أوسع، بينما تؤثر الوقائع الميدانية في حسابات واشنطن وتدفعها أحيانًا إلى الانخراط أعمق مما تخطط له. وفي ظل هذا التداخل، قد يصبح من الصعب التمييز بين ما هو استراتيجي بعيد المدى، وما هو تكتيكي مرتبط بضرورات اللحظة.

لكن الأثر الأوسع لهذه السياسات لا يقتصر على الأطراف المباشرة. فالعالم اليوم مترابط بشكل غير مسبوق: أي تصعيد إقليمي يمكن أن ينعكس على أسواق الطاقة، وسلاسل الإمداد، والاستقرار المالي، وحتى على تصاعد الاستقطاب السياسي في دول بعيدة جغرافيًا. كما أن تآكل الثقة في النظام الدولي—وفي قدرته على ضبط النزاعات أو فرض قواعد عادلة—يزيد من احتمالات الفوضى ويشجع قوى أخرى على اختبار حدود النظام القائم.

مع ذلك، من المهم تجنب الوقوع في فخ التفسير الأحادي. فليست كل القرارات نتاج نزوات شخصية، كما أنها ليست دائمًا نتيجة حسابات عقلانية بحتة. الحقيقة تقع غالبًا في منطقة وسطى، حيث تختلط الاعتبارات الشخصية بالمؤسسية، والقصير المدى بالطويل، والداخلي بالخارج. هذا التعقيد لا يبرر الأخطاء، لكنه يساعد على فهم كيف ولماذا تحدث.

في النهاية، يبقى السؤال الأهم: كيف يمكن تقليل كلفة هذه القرارات على العالم؟ الإجابة لا تكمن فقط في تغيير القيادات، بل في تعزيز آليات المساءلة، وتقوية المؤسسات الدولية، وإعادة الاعتبار للدبلوماسية بوصفها أداة أساسية لا بديل عنها. فالعالم، بكل ترابطه، لم يعد يحتمل قرارات تُتخذ تحت ضغط اللحظة دون حساب دقيق لعواقبها.

بهذا المعنى، فإن النقد عندما يكون حادًا يمكن أن يكون نقطة بداية ضرورية، بشرط أن يترافق مع فهم أعمق للسياق، وسعي جاد نحو بدائل أكثر توازنًا واستدامة.

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

د. أسعد العويوي

الدكتور أسعد العويوي، أستاذ العلوم السياسية والقضية الفلسطينية في جامعة القدس.

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير