تلقى بنك القاهرة، ثالث أكبر بنك حكومي في مصر، طلبات مبدئية من مستثمرين لشراء أسهمه تجاوزت حجم الطرح المتوقع في البورصة المصرية. ويعكس هذا الإقبال اهتماماً واضحاً من قبل المستثمرين بالقطاع المصرفي المصري، خاصة مع كون البنك أحد الكيانات المالية الكبرى في السوق المحلي. كما يشير ذلك إلى وجود شهية استثمارية قوية رغم التحديات الاقتصادية التي تشهدها البلاد.
وأوضح هاشم السيد، مساعد رئيس مجلس الوزراء والرئيس التنفيذي لوحدة الشركات المملوكة للدولة، في تصريحات لموقع "الشرق بلومبيرج"، أن هذا الإقبال يعكس ثقة أولية في جدوى الطرح المرتقب. ويأتي ذلك في ظل سعي الحكومة إلى جذب استثمارات جديدة عبر توسيع قاعدة الملكية في الشركات الحكومية. كما يعزز هذا التوجه من فرص تنشيط سوق المال المصري وزيادة السيولة فيه.
وتسعى الحكومة إلى جمع ما بين 23 و32 مليار جنيه من خلال طرح حصة تتراوح بين 30% و40% من أسهم البنك. ويعادل ذلك ما بين 460 و650 مليون دولار، وفق التقديرات الحالية، ما يجعله أحد أبرز الطروحات المنتظرة في السوق. كما يعكس حجم الطرح أهمية البنك ضمن برنامج الطروحات الحكومية.
تعثر الطرح السابق
على مدار السنوات الماضية، حاولت الحكومة المصرية طرح بنك القاهرة في البورصة، إلا أن هذه الخطوة لم تُستكمل رغم قيد أسهم البنك في سوق الأوراق المالية منذ عام 2017. ويبلغ عدد أسهم البنك المقيدة نحو 10.25 مليار سهم، ما يعكس جاهزية فنية للطرح لم تُترجم إلى تنفيذ فعلي. كما يشير ذلك إلى وجود تحديات حالت دون إتمام العملية في توقيتها السابق.
وفي نهاية يونيو 2025، توقفت مفاوضات استحواذ بنك الإمارات دبي الوطني على كامل أسهم بنك القاهرة بسبب خلافات حول التقييم. وعرض البنك الإماراتي في البداية 1.2 مليار دولار، ثم رفع عرضه إلى 1.5 مليار دولار، إلا أن الحكومة المصرية تمسكت بتقييم يبلغ 1.8 مليار دولار. كما يعكس هذا التباين فجوة واضحة في تقدير القيمة العادلة للبنك بين الطرفين.
ويبرز هذا التعثر كأحد العوامل التي دفعت الحكومة لإعادة التفكير في خيار الطرح العام بدلاً من البيع المباشر لمستثمر استراتيجي. كما يشير إلى أن الحكومة تسعى لتحقيق أفضل عائد ممكن من أصولها. ويؤكد ذلك أن ملف بنك القاهرة ظل معلقاً لسنوات نتيجة اعتبارات مالية واستراتيجية معقدة.
آلية طرح بنك القاهرة
أوضح هاشم السيد أن تحديد موعد طرح أسهم بنك القاهرة في البورصة يتوقف على قرار بنك مصر، باعتباره المالك الرئيسي للأسهم، إلى جانب البنك المركزي المصري. ويعكس ذلك الطبيعة المؤسسية لعملية اتخاذ القرار في هذا الملف، حيث تتداخل عدة جهات رسمية في تحديد التوقيت المناسب. كما يشير إلى أن الطرح لا يزال في مرحلة الترتيب النهائي.
وفي السياق ذاته، تعتزم الحكومة تقديم طلبات لقيد سبع شركات جديدة في البورصة المصرية خلال الأسبوع المقبل. ويأتي ذلك ضمن خطة أوسع تشمل قيد نحو 20 شركة خلال الفترة المقبلة، ما يعكس توجهاً لتوسيع قاعدة الشركات المدرجة. كما تضم وحدة الشركات المملوكة للدولة حالياً نحو 815 شركة تحت إدارتها.
وبحسب تقديرات حكومية، تبلغ القيمة العادلة لبنك القاهرة نحو 78 مليار جنيه، أي ما يعادل حوالي 1.5 مليار دولار. وقد تم تعيين شركتي "إي إف جي" القابضة و"سي آي كابيتال" كمستشارين لإدارة الطرح، فيما تتولى "بيكر تيلي" تقديم الاستشارات المالية. كما يعكس هذا الترتيب حرص الحكومة على إدارة الطرح وفق معايير مهنية عالية.
تباطؤ البرنامج
تُظهر البيانات الحكومية تباطؤاً واضحاً في تنفيذ برنامج الطروحات منذ انطلاقه في مارس 2022 وحتى يونيو 2025. حيث نجحت المرحلة الأولى في جمع نحو 3.11 مليار دولار، بينما بلغت حصيلة المرحلة الثانية قرابة ملياري دولار. كما يشير ذلك إلى بداية قوية نسبياً للبرنامج قبل أن تتراجع وتيرته لاحقاً.
في المقابل، لم تحقق المرحلة الثالثة سوى 625 مليون دولار، وهو ما يعادل 12.5% فقط من المستهدف. أما المرحلة الرابعة، فقد سجلت 142 مليون دولار فقط بنسبة إنجاز بلغت 7.5%، ما يعكس فجوة كبيرة بين الأهداف والنتائج. كما يبرز هذا التراجع تحديات حقيقية تواجه تنفيذ البرنامج.
ويرتبط هذا التباطؤ بعدة عوامل، منها ظروف السوق العالمية، وتذبذب أسعار الأصول، إضافة إلى تباين تقييمات المستثمرين والحكومة. كما يعكس ذلك حذراً من جانب المستثمرين في ظل الأوضاع الاقتصادية الحالية. ويؤكد أن برنامج الطروحات يحتاج إلى إعادة تقييم لضمان تحقيق أهدافه.
ترقب الطروحات
يترقب المستثمرون طرح شركتي "وطنية" و"صافي" التابعتين للقوات المسلحة، في إطار توسيع برنامج الطروحات الحكومية. وقد تم الاتفاق مع صندوق مصر السيادي وبنكي الاستثمار "إي إف جي هيرميس" و"سي آي كابيتال" لترويج وتغطية الاكتتاب. كما يعكس هذا التوجه توسيع نطاق الطروحات ليشمل شركات من قطاعات مختلفة.
ويبلغ عدد الشركات المدرجة في البورصة المصرية حالياً نحو 265 شركة، ما يعكس حجم السوق وتنوعه. كما حقق المؤشر الرئيسي للبورصة مكاسب سنوية بلغت نحو 41% خلال العام الماضي، وهو ما يعزز جاذبية السوق للمستثمرين. ويشير ذلك إلى وجود فرص استثمارية واعدة رغم التحديات.
وفي ظل هذه المعطيات، يمثل طرح بنك القاهرة اختباراً مهماً لنجاح برنامج الطروحات في مرحلته المقبلة. كما يعكس مدى قدرة الحكومة على استقطاب الاستثمارات وتحقيق التوازن بين التقييمات والعوائد. ويؤكد أن المرحلة القادمة ستكون حاسمة في تحديد مسار سوق المال المصري.








