عانى العالم مع ترامب في ولايته الأولى والثانية من غموض وعدم استقرار في شخصيته سياساته الداخلية والخارجية، حيث خرج ترامب من المألوف المفيد إلى الجديد المتناقض المُقلق، وهذه المعاناة لم تبق حبيسة قلوب الساسة، بل وصلت لميادين الشعوب المختلفة.
أولى بدائع السياسة الترامبية اعترافه في ولايته الأولى 2017 _ 2021 بالقدس عاصمة لإسرائيل في 6 ديسمبر 2017رغم امتناع رؤساء أمريكا السابقين عن تلك الخطوة.
ما حدث من ترامب في ولايته الأولى استوعبه العالم على مضض، ومع ذلك لم يحدث النضج المطلوب الوعي الجمعي العالمي؛ لأن الكثير من هذا العالم لم يتأثر بسوء صنيع ترامب بشكل مباشر.
وقفزاً على خطوات وقرارات كثيرة قام بها ترامب في ولايته الأولى وصولاً لولايته الثانية، فربما يمكن اعتبار أن قرار ترامب شن حرباً على إيران هو القرار الأخطر والأكثر أثراً في إنضاج العالم، صحيح أن رؤساء أمريكيين سابقين لم يكّنوا الود لإيران، لكنهم لم يشنوا عليها حرباً عسكرية، ففّعلوا خاصية العقل الهادئ الماكر أكثر من العقل الواضح والاندفاع العشوائي، ففرضوا عليها عقوبات؛ ليس حباً في ايران أو خوفاً على مواطنيها، بل؛ لأن قرار الحرب العسكرية على إيران ليس بالمسألة السهلة، أما ترامب كسر هذه المعادلة تحت إلحاح ما خرج من جزيرة "أوبستين" حيث الوثائق التي أخرجها المتلاعبون بالعقول وبالحكومات من اللوبي الصهيوني ووضعوها أمام ترامب، إما رأس إيران، وإما رأسك والمزيد من الوثائق.
من مظاهر نضج العالم من سياسة ترامب:
1_ لم يكن أحد يتوقع صدور تصريحات عن قادة غربيين ضد سياسات ترامب، فاستاءوا من صنيعه في فنزويلا حيث اختطاف الرئيس الفنزويلي، ورفضوا السماح لأمريكا باستخدام موانئ بلادهم البرية والبحرية والجوية لشن هجمات جوية على إيران، وعدم الانسجام او الإذعان لما يقوم ويطالب به ترامب من تشكيل حلف لتحرير مضيق هرمز من قبضة إيران.
2_ اقتنع أمريكيون كثيرون من كافة التوجهات، بأن ترامب نقمة على أمريكا، لدرجة أن ابنة أخيه قالت في تغريدة لها على منصة "x" بأن ترامب سينجح في تغيير النظام، لكن ليس في إيران بل في أمريكا، كما قال اعلامي أمريكي بارز ان نتنياهو ظل بحث طوال 30 عاماً عمن يساعده في ضرب إيران حتى وجد ضالته في ترامب.
3_ زيادة انكشاف الحقيقية التي اختبأت خلفها دول وكيانات كثيرة سواء رسمية أو غير رسمية، بأنها تدعى حقوق الانسان، صمتت أمام العدوان الإسرائيلي على الآخرين، بينما لم تذخر أقوالاً وأفعالاً لإدانة دفاع المظلومين عن أنفسهم.
4_ اقتنع كثير من الغربيين على المستوى الرسمي والشعبي بأحقية الشعوب العربية وعلى رأسها الشعب الفلسطيني بحقه في تقرير المصير والحياة الكريمة بعيداً عن الاحتلال.
5_ غضب عالمي رسمي وشعبي من تصويت كنيست الاحتلال على قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين، فلم يكن هذا التصويت ليحدث لولا ضوء أخضر أمريكي الذي بغير رغبة من أمريكا وإسرائيل زاد في نضج العالم بأن إسرائيل لا تريد إطفاء الحروب التي تشعلها وتساعدها أمريكا بالمزيد من وقود الحرب.
6_ وصل النضج لمرحلة أن أمريكا لم تعد اللاعب الوحيد والقوي في المسرح الدولي، فكثير من الدول تدعم بشكل مباشر وغير مباشر إيران المحاصرة منذ أربعين عاما والتي أساءت وجه ترامب وتتحداه.
7_ حدوث اختلافات كبيرة في وجهات النظر داخل حزب ترامب وادارته حول رؤيته وتعاطيه مع القضايا الداخلية والخارجية، فمنهم من استقال ومنه من أُقيل.
8_إمكانية انحسار النفوذ الأمريكي بات امراً متوقعاً.
9_ الأنظمة العربية اقتنعت وإن لم تعلن بشكل رسمي وعلني أن القواعد الامريكية فيها، ليست لحمايتها بل للمزيد من التحكم بمقدرات المنطقة وحماية إسرائيل.
يبقى السؤال، هل المواقف التي ترفض وتدين سلوكيات ترامب ستختفي بعد غياب ترامب عن ادارة البيت الأبيض ومجيء رئيس جديد يحاول بهدوء اصلاح مع أفسده ترامب دون أن ينصف المظلومين ويقول للظالمين كفى.؟
من يعش يرو البقية









