قال مسؤولون إن كبار مساعدي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قدموا له خلال الأيام الماضية مبررات تفيد بأن منشآت توليد الطاقة والجسور في إيران تُعد "أهدافاً عسكرية مشروعة"، معتبرين أن تدميرها قد يعرقل البرنامجين الصاروخي والنووي لطهران. وأوضحت صحيفة "وول ستريت جورنال" أن هذه الطروحات تأتي في ظل تصاعد الجدل داخل الإدارة بشأن جدوى هذا النهج وتداعياته. كما تعكس هذه الرؤية تحولاً في طبيعة الأهداف من مواقع عسكرية مباشرة إلى بنى تحتية ذات استخدام مزدوج.
وذكر مسؤول دفاعي إسرائيلي رفيع المستوى أن إسرائيل تستعد لمهاجمة منشآت طاقة إيرانية، لكنها لا تزال بانتظار الضوء الأخضر من الولايات المتحدة. وأضاف، بحسب وكالة "رويترز"، أن هذه الضربات قد تنفذ خلال الأيام القليلة المقبلة، ما يعكس تنسيقاً عسكرياً وسياسياً وثيقاً بين الطرفين. ويشير هذا الترقب إلى حساسية القرار وتأثيره المحتمل على مسار الحرب.
ولفتت "وول ستريت جورنال" إلى أنه خلال البحث عن طيار أمريكي مفقود بعد إسقاط طائرته داخل إيران، لم يُبدِ ترامب أي تراجع عن هذه الاستراتيجية. ويعكس ذلك تمسكاً بخيار التصعيد رغم المخاطر المتزايدة. كما يدل على أن الإدارة الأمريكية ترى في هذه المرحلة فرصة لإعادة تشكيل قواعد الاشتباك.
تهديدات ترامب
في وقت سابق السبت، جدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تهديداته لإيران، محدداً مهلة زمنية جديدة مدتها 48 ساعة. وقال ترامب إن أمام طهران خيارين، إما "إبرام اتفاق" أو مواجهة تصعيد قد يصل إلى "فتح مضيق هرمز"، وهو ما يعكس تصعيداً حاداً في الخطاب السياسي. كما توعد بـ"جحيم عظيم"، في إشارة إلى احتمالات استخدام القوة بشكل أوسع.
واستهدفت الولايات المتحدة، الخميس الماضي، جسراً يربط العاصمة طهران بمدينة كرج، في خطوة أثارت جدلاً واسعاً. وأوضح مسؤولون أمريكيون أن الجسر يمكن استخدامه لنقل صواريخ وطائرات مسيّرة ومواد عسكرية أخرى، ما يبرر استهدافه من وجهة نظرهم. في المقابل، أفادت وسائل إعلام إيرانية بسقوط 13 شهيدا جراء الهجوم، ما يعكس الكلفة البشرية لهذه العمليات.
وأشارت "وول ستريت جورنال" إلى أن ترامب ألمح إلى احتمال تنفيذ هجمات أشد قد تؤثر بشكل مباشر على حياة نحو 93 مليون إيراني. وأضافت أن بعض مسؤولي إدارة ترامب يطلقون على هذه المرحلة اسم "عملية الغضب الملحمي 2"، رغم أن التسمية غير رسمية. ويعكس ذلك تصعيداً في الرؤية العملياتية للحرب واتساع نطاقها المحتمل.

شكوك قانونية
أوضحت الصحيفة أن هذه الاستراتيجية تثير تساؤلات قانونية وإنسانية عميقة، خاصة فيما يتعلق بتأثيرها على المدنيين. ويتركز الجدل حول مدى شرعية استهداف بنى تحتية تُستخدم أيضاً في الحياة اليومية للسكان. كما يبرز تساؤل أساسي حول التوازن بين الأهداف العسكرية والاعتبارات الإنسانية.
وأضافت أن وزير الحرب بيت هيجسيث قدّم مبررات قانونية لاستهداف الطرق، مشيراً إلى إمكانية استخدامها لنقل صواريخ ومواد تدخل في تصنيع الطائرات المسيّرة. كما قال مسؤول في البيت الأبيض إن محطات الكهرباء تُعد أهدافاً عسكرية مشروعة لأنها قد تعرقل البرنامج النووي الإيراني وتسبب اضطرابات داخلية. غير أن هذه التبريرات لا تحظى بإجماع داخل الأوساط العسكرية والقانونية.
وأكد مسؤولون عسكريون حاليون وسابقون أن استهداف البنية التحتية لا يكون قانونياً إذا كان الهدف مجرد الضغط السياسي. وشددوا على ضرورة تحقيق فائدة عسكرية واضحة، وعدم وجود بدائل أقل ضرراً، وتجنب الأذى الواسع للمدنيين. ورأى المحامي العسكري السابق جيفري كورن أن قانونية هذه الضربات تعتمد بشكل مباشر على السياق العسكري وتأثيرها الفعلي على السكان.
مخاوف إقليمية
لفتت "وول ستريت جورنال" إلى أن تهديدات ترامب باستهداف محطات الكهرباء الإيرانية أثارت قلقاً متزايداً لدى دول المنطقة. ويأتي هذا القلق في ظل سوابق حديثة تشير إلى إمكانية توسع دائرة الاستهداف لتشمل بنى تحتية إقليمية. كما يعكس المخاوف من انزلاق الصراع إلى مواجهة أوسع.
وأوضحت أن هذه المخاوف ليست افتراضية، إذ ردت إيران سابقاً على هجوم إسرائيلي على حقل غاز إيراني بضرب حقل غاز رئيسي في قطر. كما اتهمت الكويت طهران بمهاجمة محطة تحلية مياه، ما يعكس نمطاً تصعيدياً متبادلاً. ويشير ذلك إلى أن استهداف البنية التحتية قد يتحول إلى قاعدة في الصراع الإقليمي.
وقال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إن توسيع الضربات الجوية لن يجبر الإيرانيين على الاستسلام. وأضاف أن الجسر الذي استُهدف كان غير مكتمل قبل الهجوم، في محاولة للتقليل من أهميته العسكرية. في المقابل، أقر وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بأن إيران لا تخصب اليورانيوم حالياً، فيما أكد رافائيل جروسي عدم وجود أدلة على نقل مخزون اليورانيوم عالي التخصيب.
سوابق عسكرية
أشارت الصحيفة إلى أن الولايات المتحدة سبق أن استهدفت البنية التحتية الكهربائية في العراق خلال حرب الخليج عام 1991. وكان الهدف حينها إضعاف قدرات الجيش العراقي، مع محاولة الحد من الأضرار طويلة المدى على المدنيين. ويعكس هذا المثال تاريخاً من استخدام هذا النوع من الاستهداف في الحروب.
ولفتت إلى أن قصف شبكة الكهرباء حول بغداد أدى إلى تعطيل تحلية المياه، ما ساهم في ارتفاع وفيات الأطفال وفق دراسات لاحقة. ويبرز هذا المثال المخاطر الإنسانية العميقة المرتبطة باستهداف البنى الحيوية. كما يعزز المخاوف من تكرار السيناريو ذاته في الحالة الإيرانية.
ورأى خبراء ومنظمات إنسانية أن الحملة الحالية قد تكون أقل تقييداً من سابقاتها. وأعربت سارة ييجر من "هيومن رايتس ووتش" عن قلقها من استهداف محطات الكهرباء، مؤكدة أن المستشفيات وأنظمة المياه تعتمد عليها. كما أشار الجنرال المتقاعد ديفيد ديبتولا إلى أن استهداف منشآت الطاقة قد يكون مبرراً جزئياً، لكن ضرب محطات تحلية المياه يثير تساؤلات خطيرة.










