استعدادات البنتاجون البرية مع دخول الحرب يومها الثامن والثلاثين منذ بدئها في 28 فبراير 2026 بالضربات الجوية الأمريكية الإسرائيلية المشتركة، يتزايد الحديث عن اقتراب مرحلة العمليات البرية في مواجهة إيران، حيث أفادت تقارير متعددة بأن وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) تستعد لعمليات برية محدودة قد تمتد لأسابيع، وفق ما نقلته صحيفة واشنطن بوست عن مسؤولين أمريكيين.
وتشمل هذه الاستعدادات نشر آلاف الجنود الإضافيين في منطقة الخليج، مع وصول قوات مشاة البحرية والقوات الخاصة، في أكبر بناء عسكري أمريكي في الشرق الأوسط منذ غزو العراق عام 2003، كما أشارت تقارير الجزيرة ونيويورك تايمز.
هذا التحرك يأتي في ظل إصرار إيران على إغلاق مضيق هرمز ردا على العدوان، مما يعطل نحو خمس إمدادات النفط العالمية ويرفع الأسعار بشكل ملحوظ، ويضع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمام ضغط متزايد لتحقيق "نصر سريع" بعد أن فشلت الضربات الجوية في إجبار طهران على الاستسلام.
يبدو أن الخيارات العسكرية الأمريكية تتجه نحو عمليات برية انتقائية بدلا من غزو شامل، إذ يجري التخطيط لمهام محدودة تشمل السيطرة على نقاط استراتيجية أو غارات سريعة، مع الاعتماد على قوات خاصة مدربة على الاقتحامات الخاطفة.
وبحسب تحليلات معهد الدراسات الاستراتيجية، فإن هذه الاستعدادات تعكس إدراك واشنطن لصعوبة حسم الصراع جويا فقط، خاصة مع استمرار إيران في إطلاق موجات صاروخية تستهدف العمق الإسرائيلي والقواعد الأمريكية، رغم الخسائر الكبيرة التي لحقت ببنيتها العسكرية.
إن هذا التصعيد المحتمل يحمل مخاطر إنسانية جسيمة، إذ قد يؤدي إلى سقوط مزيد من الضحايا المدنيين في إيران، حيث سبق أن أسفرت الضربات الجوية عن قتلى بين الأطفال والمدنيين في مناطق سكنية قرب منشآت عسكرية.
خيار السيطرة على جزيرة خرج يبرز خيار السيطرة على جزيرة خرج كأحد السيناريوهات الرئيسية التي يناقشها المخططون العسكريون الأمريكيون، حيث تعد هذه الجزيرة المرفأ الرئيسي لتصدير نحو 90% من النفط الإيراني، وتمثل نقطة محورية في قدرة طهران على التحكم في مضيق هرمز، كما أوضحت تقارير الفايننشال تايمز والأتلانتيك.
وصرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في مقابلة مع الفايننشال تايمز بأن "السيطرة على النفط في إيران" ممكنة، مشيرا إلى إمكانية الاستيلاء على خرج "بسهولة نسبية"، في محاولة لكسر الإغلاق الإيراني للمضيق الذي أدى إلى أزمة طاقة عالمية.
هذا الخيار يعتمد على نشر قوات مشاة البحرية المدعومة بغطاء جوي وبحري، مع الاستفادة من الوجود الأمريكي الكبير في الخليج، لكن خبراء عسكريون يحذرون من أن الدفاعات الإيرانية المحيطة بالجزيرة قد تحول العملية إلى معركة دامية تكلف أرواحا وموارد هائلة.
وتكمن خطورة هذا السيناريو في أنه قد يوسع نطاق الصراع إلى مواجهة برية مباشرة، مما يعرض القوات الأمريكية لكمائن وصواريخ مضادة للسفن، خاصة أن إيران هددت بـ"إحراق" أي قوات برية تطأ أراضيها، بحسب تصريحات مسؤولي الحرس الثوري.
وفي الوقت نفسه، يرى مراقبون أن هذا الخيار يعكس فشلا أمريكيا في تقدير قدرة إيران على الصمود، إذ تحولت استراتيجية الاستنزاف الإيرانية إلى سلاح فعال يجبر واشنطن على التفكير في خيارات أرضية مكلفة، بدلا من الاكتفاء بالقصف الجوي الذي لم يحقق الأهداف المعلنة بتدمير البرنامج الصاروخي والنووي بشكل كامل. إن مثل هذه العملية لن تكون خالية من التبعات الإقليمية، حيث قد تثير ردود فعل من حلفاء إيران في المنطقة، مما يعقد المشهد الأمني أكثر.
غارات على اليورانيوم المخصب والمناطق الساحلية من بين الخيارات الأخرى التي يجري التخطيط لها، عمليات غارات خاصة للاستيلاء على مخزون اليورانيوم المخصب عالي التخصيب في إيران، الذي يُعتقد أنه مدفون في مواقع تحت الأرض تضررت جزئيا من الضربات السابقة، كما أفادت تقارير نيوزويك والسي بي سي. وتشمل هذه السيناريوهات إنزال قوات خاصة جوا لتأمين المواد النووية ونقلها، مع دعم من وحدات مشاة لتأمين المناطق الساحلية قرب مضيق هرمز، بهدف تعطيل قدرات إيران على تهديد الملاحة البحرية. ووفقا لمصادر مطلعة على التخطيط العسكري، فإن هذه العمليات قد تستمر أسابيع وتتطلب تنسيقا دقيقا، لكنها تحمل مخاطر كبيرة من الوقوع في كمائن إيرانية أو تعرض القوات لإطلاق نار كثيف.
يأتي هذا الخيار في سياق الادعاءات الأمريكية بمنع إيران من امتلاك سلاح نووي، لكنه يتجاهل الواقع القائل بأن العدوان المستمر منذ فبراير الماضي هو الذي دفع طهران إلى تصعيد ردودها الدفاعية. وبحسب خبراء في الشؤون العسكرية، فإن أي عملية برية بهذا الشكل قد تؤدي إلى خسائر بشرية فادحة دون ضمان تحقيق أهداف استراتيجية دائمة، خاصة مع قدرة إيران على إعادة بناء قدراتها أو الاعتماد على شبكاتها الإقليمية. إن هذا النهج يعيد إلى الأذهان تجارب سابقة للتدخلات الأمريكية في المنطقة، التي انتهت باستنزاف طويل وتكاليف باهظة، مما يثير تساؤلات حول جدوى الرهان على القوة العسكرية المباشرة ضد دولة تمتلك عمقا جغرافيا وشعبيا كبيرا.
مخاطر التصعيد والتكاليف الاستراتيجية يواجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تحديا حقيقيا في اتخاذ قرار بالدفع نحو عمليات برية، إذ أظهرت استطلاعات الرأي رفضا أمريكيا واسعا لإرسال قوات برية إلى إيران، مع معارضة تصل إلى 62% من الشعب الأمريكي بحسب تقارير الجزيرة.
ومع ذلك، فإن الضغط الاقتصادي الناتج عن إغلاق مضيق هرمز، إلى جانب الإرهاق الإسرائيلي من الموجات الصاروخية المستمرة، يدفع واشنطن نحو خيارات أكثر جرأة، رغم التحذيرات من أن أي غزو بري محدود قد يتحول إلى مستنقع يستنزف الموارد ويفاقم الخسائر.
وتكشف هذه الخيارات عن محدودية الاستراتيجية الأمريكية التي اعتمدت على التدخل المباشر لدعم الاحتلال الإسرائيلي وفرض هيمنتها، في مواجهة صمود إيراني يعتمد على تكتيك الاستنزاف الذي أثبت فعاليته حتى الآن.
إن اقتراب العمليات البرية لا يمثل قوة بل دليلا على فشل الرهان الجوي، وقد يؤدي إلى توسيع دائرة الدمار الإنساني في المنطقة دون حلول سياسية مستدامة، خاصة مع رفض إيران أي تسوية مشروطة لا تضمن وقف العدوان الخارجي. هذا المسار يضع الجميع أمام لحظة حاسمة، حيث يصبح التصعيد البري مقامرة قد تكلف المنطقة والعالم ثمنا باهظا.









