4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

د. ليون سيوفي: ترامب في المستنقع الإيراني... كيف تُصنع الانتصارات الوهمية؟

لم يَعُد مُمكناً تَوصيف ما يجري في الشرق الأوسط على أنّه مُجرّد “تصعيدٍ مُؤقّت”. نحن أمامَ مَشهَدٍ مُركّب، تتداخل فيه الحروبُ المباشرة مع الحروب بالوكالة، وتختلط فيه الحسابات العسكرية بالرهانات السياسية.

بقلم: محمد أبو غالي
٧ أبريل ٢٠٢٦
3 دقائق قراءة
44 مشاهدة
د. ليون سيوفي: ترامب في المستنقع الإيراني... كيف تُصنع الانتصارات الوهمية؟

د. ليون سيوفي: ترامب في المستنقع الإيراني... كيف تُصنع الانتصارات الوهمية؟

لم يَعُد مُمكناً تَوصيف ما يجري في الشرق الأوسط على أنّه مُجرّد “تصعيدٍ مُؤقّت”. نحن أمامَ مَشهَدٍ مُركّب، تتداخل فيه الحروبُ المباشرة مع الحروب بالوكالة، وتختلط فيه الحسابات العسكرية بالرهانات السياسية.

دخل دونالد ترامب هذا المشهد من باب “القوّة”، رافعاً شعار إعادة رسم التوازنات وكسر نفوذ إيران في المنطقة، تحت عنوان حماية إسرائيل. لكن ما لم يُحسب بدقّة، هو أن هذه المواجهة لا تشبه أيّاً من الحروب التقليدية التي خاضتها الولايات المتحدة سابقاً.

إيران ليست نظاماً هشّاً يُسقَط بضربة، ولا دولةً يمكن إخضاعها بإنزالٍ عسكري سريع. إنّها شبكة نفوذ ممتدّة، قادرة على امتصاص الضربات وإعادة إنتاج أدواتها في أكثر من ساحة. وهنا تحديداً، بدأ “المستنقع”.

المشكلة التي يواجهها ترامب اليوم لا تكمن في عدم قدرته على الدخول في الحرب، بل في عجزه عن الخروج منها دون خسائر سياسية. فالانسحاب يُفسَّر ضعفاً، والتصعيد المفتوح يعني كلفة لا تستطيع واشنطن تحمّلها، لا اقتصادياً ولا استراتيجياً.

أمام هذه المعضلة، لا يبقى أمامه سوى خيار واحد: إعادة تعريف الانتصار.

فالانتصارات في هذا النوع من الصراعات لا تُقاس بعدد الدبابات ولا بحجم الدمار، بل بالقدرة على تسويق النتيجة. من هنا، قد يلجأ ترامب إلى تحويل المواجهة إلى صفقة، يُعيد من خلالها تقديم نفسه كرجل إنجازات، لا كرئيس عالق في حرب استنزاف. اتفاقٌ ما، ولو جزئي، يمكن أن يتحوّل في خطابه إلى “إنجاز تاريخي”، حتى وإن لم يُغيّر جوهر التوازن القائم.

وفي موازاة ذلك، قد نشهد تصعيداً محدوداً ومدروساً، يُستخدم كأداة ضغط لا أكثر، يليه فتح أبواب التهدئة. هكذا تُصنع الرواية،  ضربةٌ هنا، تصريحٌ هناك، ثم إعلان “نجاح الردع”.

لكن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير.

ما يجري ليس محاولة لإسقاط إيران، بل لضبطها. وليس سعياً إلى حرب شاملة، بل إلى إدارة صراع طويل تحت سقف معيّن. وفي هذا النوع من الحروب، لا أحد ينتصر فعلياً، بل الجميع يحاول تجنّب الخسارة الكبرى.

أما إسرائيل، التي كانت في صلب هذا التصعيد، فهي نفسها تدرك أن أي انفجار واسع قد يرتدّ عليها أكثر مما يخدمها. لذلك، هي تدفع نحو الضغط، لا نحو الانفجار.

هكذا نجد أنفسنا أمام معادلة خطيرة، حربٌ لا تُعلَن بالكامل، وسلامٌ لا يتحقّق، ومنطقةٌ تُدار على حافة الانفجار.

إنّ أخطر ما في هذه المرحلة ليس ما يُقال، بل ما يُدار في الظل. فحين تتحوّل الحروب إلى أدوات تفاوض، يصبح الدم جزءاً من الرسائل، وتصبح الشعوب مجرّد أوراق في لعبة أمم.

والسؤال الذي يجب أن يُطرَح ليس من سينتصر؟
بل إلى متى سيبقى الشرق الأوسط ساحةً لتصنيع انتصارات الآخرين؟

محمد أبو غالي

صحفي بموقع 180 تحقيقات

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال