تسارعت وتيرة العدوان الأمريكي على إيران بشكل لافت، مع تركيز واضح على استهداف الجسور وشبكات السكك الحديدية، في مؤشر على انتقال العمليات العسكرية إلى مرحلة استهداف البنية التحتية الحيوية. وجاء هذا التصعيد بالتوازي مع اقتراب انتهاء المهلة التي حددها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإجبار طهران على إعادة فتح مضيق هرمز، ما يعكس تزامناً مقصوداً بين الضغط العسكري والابتزاز السياسي.
وشملت الغارات استهداف جسر للسكك الحديدية في كاشان، ومحطة قطار في مشهد، إضافة إلى جسر على طريق سريع قرب تبريز، ما أدى إلى تعطيل محاور نقل رئيسية داخل البلاد. هذا النمط من الاستهداف، وفق قراءة تحليلية، لا يهدف فقط إلى إضعاف القدرات اللوجستية، بل يسعى إلى شل الحركة الداخلية وإرباك البنية الاقتصادية والاجتماعية.
ويؤشر هذا التوسع في بنك الأهداف إلى تحول نوعي في طبيعة العمليات، حيث لم تعد الضربات تقتصر على مواقع عسكرية تقليدية، بل امتدت إلى مفاصل الحياة اليومية، في مسار يعكس ملامح حرب شاملة تستهدف قدرة الدولة على الاستمرار.
تهديدات ترامب المباشرة
في موازاة التصعيد الميداني، صعّد ترامب من لهجته التهديدية، متوعداً بمحو الحضارة الإيرانية بالكامل إذا لم تستجب طهران لمطالبه قبل الساعة الثامنة مساءً بتوقيت الساحل الشرقي للولايات المتحدة. هذا التصريح، الذي يحمل طابعاً وجودياً، يعكس انتقال الخطاب الأمريكي إلى مستوى غير مسبوق من التهديد الشامل.

وجدد ترامب تحذيراته عبر منصة "تروث سوشيال"، قائلاً إن "حضارة بأكملها ستموت الليلة ولن تعود أبداً"، مضيفاً أنه لا يرغب في حدوث ذلك لكنه يرجح وقوعه. كما أشار إلى أن التطورات الحالية قد تقود إلى "شيء ثوري" في إيران، في إشارة إلى احتمالات تغيير داخلي نتيجة مقتل قيادات.
وفي موقف لافت، أكد ترامب أنه "غير قلق على الإطلاق" من اعتبار استهداف البنية التحتية جريمة حرب، مشدداً على أن الهدف يتمثل في منع إيران من امتلاك سلاح نووي. هذا التصريح يكشف بوضوح تجاهل الإدارة الأمريكية للقانون الدولي، ويعزز المخاوف من انزلاق الصراع إلى مستويات أكثر خطورة.
توسيع بنك الأهداف
تزامن التصعيد الأمريكي مع تحذيرات مباشرة من جيش الاحتلال الإسرائيلي للمواطنين الإيرانيين بضرورة تجنب استخدام القطارات أو الاقتراب من خطوط السكك الحديدية. هذا التحذير يعكس توسيعاً ممنهجاً لبنك الأهداف ليشمل البنية التحتية للنقل، بما يتقاطع مع التهديدات الأمريكية باستهداف الجسور ومحطات الطاقة.
ويشير هذا التنسيق إلى وجود تكامل عملياتي بين واشنطن وتل أبيب في إدارة الضربات، حيث يتم توزيع الأدوار بما يحقق أكبر قدر من الضغط على الداخل الإيراني. هذا النمط من العمليات يعكس استراتيجية قائمة على إنهاك الدولة عبر استهداف مفاصلها الحيوية.
كما يكشف هذا المسار عن تحول في طبيعة الحرب، من مواجهة عسكرية تقليدية إلى حرب بنى تحتية، تهدف إلى تعطيل الحياة اليومية وإحداث حالة من الفوضى الداخلية، بما يضعف قدرة الدولة على إدارة الصراع.
الموقف الأمريكي الرسمي
على صعيد التصريحات الرسمية، أكد نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس أن الولايات المتحدة تمتلك "أدوات" لم تستخدمها بعد في التعامل مع إيران، معرباً عن أمله في أن تنجح المفاوضات في تجنب اللجوء إليها. هذا التصريح يعكس محاولة موازنة بين التصعيد العسكري والإبقاء على نافذة للحل السياسي.
وأشار فانس، خلال زيارة إلى المجر، إلى أن واشنطن لا تزال تتوقع تلقي رد من إيران قبل انتهاء المهلة المحددة، مؤكداً أن الولايات المتحدة حققت إلى حد كبير أهدافها العسكرية داخل إيران. هذا التقييم يعكس ثقة نسبية في نتائج العمليات، لكنه لا يلغي احتمالات التصعيد.
وأضاف أن الساعات المقبلة ستشهد مفاوضات مكثفة، مشدداً على أن الرئيس الأمريكي قد يقرر استخدام الأدوات المتاحة إذا لم تغير إيران نهجها. هذه التصريحات تؤكد أن القرار النهائي لم يُحسم بعد، وأن الخيارات العسكرية لا تزال مطروحة بقوة.
الرد الإيراني المتصاعد
في المقابل، رفضت إيران مقترح وقف إطلاق النار لمدة 45 يوماً، مؤكدة أنها تسعى إلى إنهاء دائم للحرب وليس مجرد هدنة مؤقتة. هذا الموقف يعكس تمسكاً إيرانياً بعدم تقديم تنازلات تحت الضغط، ويؤكد سعي طهران إلى تغيير قواعد الاشتباك.
وفي السياق ذاته، أعلن "الحرس الثوري" استعداده لتوسيع نطاق هجماته، محذراً من استهداف منشآت مدنية إذا تعرضت البنية التحتية الإيرانية لهجمات أمريكية. هذا التهديد يمثل تصعيداً خطيراً، إذ ينقل المواجهة إلى مستوى استهداف متبادل للبنية المدنية.
وأكد بيان الحرس أن الرد سيتجاوز حدود المنطقة إذا تم تجاوز الخطوط الحمراء، مشيراً إلى إمكانية استهداف البنية التحتية للولايات المتحدة وشركائها، بما قد يحرمهم من النفط والغاز لسنوات. كما أعلن انتهاء مرحلة "ضبط النفس"، ما يعكس انتقالاً إلى مرحلة ردع هجومي مفتوح.
خريطة الضربات الميدانية
ميدانياً، بدأت الضربات في طهران قبل أن تمتد إلى محيطها ومدن الوسط والجنوب، مع تسجيل انفجارات في العاصمة عند ساعات الفجر الأولى، توزعت بين الشمال والشمال الغربي. وترافقت هذه الضربات مع انتشار أمني واسع وتحركات ميدانية مكثفة.
في غرب طهران، تركزت الضربات قرب مطار مهرآباد، مع استهداف مرافق جوية وبنى مرتبطة بالطيران، إضافة إلى انفجارات في مناطق سكنية مثل طهرانسر. كما سُجلت انفجارات في شمال العاصمة بمنطقة نارمك، وفي وسطها قرب ميدان فلسطين وشارع انقلاب، ما يعكس اتساع نطاق العمليات داخل المدينة.
وامتدت الضربات إلى محيط طهران، حيث استهدفت مواقع في كرج وشهريار، شملت مرافق صناعية ومنشآت مرتبطة بالإسناد الجوي، إلى جانب مبانٍ سكنية يُعتقد أنها تضم أهدافاً محددة. هذا التوسع الجغرافي يؤكد أن العمليات لم تعد محصورة في نطاق ضيق، بل باتت تشمل مساحات واسعة من البلاد.
الجنوب ومراكز الطاقة
في مدن الوسط، سُجلت انفجارات في قم بعد منتصف الليل، مع استمرار تحليق الطائرات في أراك ومحيط منشآت خنداب، ما يشير إلى استهداف متواصل لمواقع حساسة. أما في الجنوب، فقد اتسعت الضربات بشكل أكبر، خاصة في مناطق ذات أهمية استراتيجية.
وشهدت مدن عبادان والمحمرة انفجارات في محيط المرافئ والمنشآت المرتبطة بالملاحة والصناعات العسكرية، في حين تعرضت بندر عباس وقشم لضربات قوية استهدفت قدرات بحرية ومواقع مرفئية. هذا التركيز يعكس أهمية الجنوب في المعادلة الاقتصادية والعسكرية.
بالتوازي، تم استهداف البنية اللوجستية عبر ضرب خطوط السكك الحديدية والجسور، مع تعليق حركة القطارات في مشهد، ما يعكس محاولة شل منظومة النقل الداخلي، وإحداث اختناقات لوجستية تؤثر على مجمل الأداء الاقتصادي.
الدور الإسرائيلي المباشر
أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي تنفيذ غارات جوية واسعة داخل إيران استهدفت بنية تحتية عسكرية وصناعية مرتبطة بتطوير القدرات الصاروخية، مستنداً إلى معلومات استخباراتية. هذا الإعلان يؤكد انخراط تل أبيب المباشر في العمليات، إلى جانب الولايات المتحدة.
وأوضح أن من بين الأهداف منشأة بتروكيماوية في شيراز تُستخدم لإنتاج مواد تدخل في تصنيع المتفجرات وتطوير الصواريخ الباليستية، مشيراً إلى أن استهدافها أدى إلى إضعاف إضافي لقدرات إيران العسكرية. هذه الرواية، وفق التحليل، تأتي في إطار تبرير استهداف منشآت صناعية ذات طابع مدني.
كما أشار إلى استهداف موقع لإطلاق الصواريخ الباليستية في شمال غرب إيران، كان يُستخدم لتنفيذ هجمات، مؤكداً أن الضربة جاءت لمنع عمليات إضافية. ويعكس هذا الخطاب محاولة إسرائيلية لتسويق عملياتها ضمن إطار "الدفاع"، رغم اتساع نطاق الاستهداف.
توتر مضيق هرمز
تزامن التصعيد داخل إيران مع ارتفاع حدة التوتر في مضيق هرمز، الذي بات يمثل بؤرة المواجهة المباشرة بين الطرفين. وأفاد مركز عمليات التجارة البحرية البريطاني بإصابة سفينة حاويات في المياه الدولية جنوب جزيرة كيش، دون تسجيل إصابات.
وأشار المركز إلى أن أكثر من عشرين سفينة تعرضت لهجمات منذ اندلاع الحرب، ما يعكس تصاعد المخاطر على الملاحة الدولية وإمدادات الطاقة. هذا الوضع يهدد باضطراب واسع في الأسواق العالمية، خاصة في ظل اعتماد كبير على هذا الممر الحيوي.
وفي هذا السياق، يعقد مخططون عسكريون من أكثر من ثلاثين دولة اجتماعاً في لندن لبحث خيارات تأمين الملاحة في المضيق، ما يعكس تدويل الأزمة. وتؤكد هذه التطورات أن الصراع لم يعد محصوراً داخل إيران، بل بات يهدد بإعادة تشكيل توازنات الطاقة والأمن على مستوى العالم.








