ليست الغارات التي شهدها لبنان حدثاً عابراً في سياق صراعٍ طويل، بل هي جزءٌ من مسارٍ يُعاد من خلاله رسم قواعد الاشتباك وتحديد شكل المرحلة المقبلة. فالمسألة لم تعد مرتبطة بضربة هنا أو ردّ هناك، بل باتت تتصل بمحاولة واضحة لإعادة صياغة التوازنات، داخلياً وإقليمياً، تحت سقفٍ مدروس من التصعيد.
ما تسعى إليه إسرائيل اليوم يتجاوز الردع التقليدي. نحن أمام محاولة لتثبيت معادلة جديدة قوامها حرية الحركة العسكرية داخل لبنان، متى توافرت “الذريعة الأمنية”. هذه المعادلة، إن ترسّخت، تعني عملياً نقل الصراع من توازن الردع إلى اختلالٍ تدريجي في ميزان القوى، حيث تصبح الضربات الاستباقية أمراً اعتيادياً، لا استثنائياً.
لكن الأخطر من ذلك، ليس في البعد العسكري فقط، بل في البعد السياسي والنفسي. إذ يجري ضخ روايات تُحاول تصوير ما يحدث على أنه “إحباط لخطر داخلي”، أو “منع لانقلاب وشيك”، في استحضارٍ مقصود لذاكرة اللبنانيين المثقلة بأحداث الانقسام. هذا النوع من السرديات لا يهدف إلى تفسير ما جرى، بل إلى إعادة توجيه وعي الناس: من اعتبار ما يحدث اعتداءً خارجياً، إلى الشكّ ببعضهم البعض في الداخل.
وهنا يكمن الخطر الحقيقي. عندما يتحوّل القصف إلى أداة لإعادة تشكيل الانقسام الداخلي، يصبح المجتمع نفسه ساحةً للصراع. وعندما تُزرع الشكوك بين اللبنانيين، تتراجع قدرة الدولة على التماسك، ويُفتح الباب أمام احتمالات الفوضى أو حتى الانزلاق إلى مواجهات داخلية غير محسوبة.
في المقابل، لا يبدو أن هناك رغبة دولية، وتحديداً من قبل الولايات المتحدة، في الذهاب إلى حرب شاملة. بل إن ما يجري أقرب إلى “إدارة تصعيد” دقيقة: ضربات محسوبة، رسائل قوية، وضغط مستمر، دون تجاوز الخط الذي يؤدي إلى انفجار واسع. إنها سياسة إنهاك تدريجي، تهدف إلى تعديل السلوك دون إشعال حرب كبرى.
غير أن هذه المقاربة تحمل في طياتها مخاطرة كبيرة. فالتاريخ يُظهر أن إدارة الصراعات على هذا النحو تبقى دائماً عرضة للانفلات. خطأ واحد في الحسابات، أو ردّ فعل غير محسوب، قد يكون كفيلاً بنقل المنطقة من حالة التوتر المضبوط إلى مواجهة مفتوحة.
لبنان اليوم يقف عند مفترق حساس. ما بين ضغوط خارجية تسعى لإعادة تشكيل الواقع، وهشاشة داخلية قابلة للاهتزاز، يصبح السؤال الحقيقي: هل يستطيع اللبنانيون تحصين جبهتهم الداخلية، أم أنهم سينجرّون إلى لعبة الآخرين؟
إن المرحلة المقبلة لن تُحسم فقط في الميدان، بل في الوعي أيضاً. فإما أن يُدرك اللبنانيون أن الانقسام هو السلاح الأخطر الذي يُستخدم ضدهم، وإما أن يدفعوا مجدداً ثمن صراعاتٍ تُدار فوق أرضهم… فيما القرار ليس دائماً بأيديهم..










