يرى الباحث في الشؤون الإيرانية كريم ساجدبور أن مسار التفاوض الحالي تحكمه مفاهيم جديدة لم تكن مطروحة قبل اندلاع الحرب الأخيرة. ويؤكد أن إيران لم تعد تعتبر ملفها النووي الورقة الأكثر تأثيراً، بل باتت تنظر إلى مضيق هرمز كأداة الردع الأهم. كما يشير إلى أن هذا التحول يعيد صياغة قواعد اللعبة التفاوضية بشكل جذري.
ويضيف أن هذا المسار لم يعد مجرد مفاوضات تقليدية بين طرفين متنازعين، بل تحول إلى ساحة لتحديد ملامح الإدارة الأمريكية نفسها. إذ باتت نتائج هذا المسار مرتبطة بمستقبل الرئيس دونالد ترامب السياسي. كما امتد تأثيره ليشمل الطموحات السياسية لنائبه جيه دي فانس.
ويؤكد ساجدبور أن هذا التداخل بين السياسة الداخلية الأمريكية والتفاوض الخارجي يعقّد المشهد بشكل غير مسبوق. فالمفاوضات لم تعد تدور فقط حول قضايا تقنية أو أمنية، بل أصبحت جزءاً من صراع أوسع على السلطة والنفوذ. وهو ما يجعل أي نتيجة محتملة ذات تداعيات استراتيجية بعيدة المدى.
رهانات ترامب
يشير ساجدبور إلى أن ترامب خاض الحرب على أمل إحداث تغيير جذري في مستقبل النظام السياسي الإيراني. لكنه بعد ستة أسابيع من القتال، وجد أن الجمهورية الإسلامية لا تزال قائمة رغم الأضرار الكبيرة التي لحقت بها. بل إن طهران أصبحت في موقع يسمح لها بالتأثير على مستقبل رئاسته.
ويضيف أن حسابات ترامب تغيرت مع مرور الوقت، خاصة مع تراجع شعبية الحرب داخلياً. ففي البداية، كان يسعى إلى نسب أي إنجاز محتمل لنفسه، لكن مع تعقّد المشهد أصبح مستعداً لتحميل نائبه مسؤولية الفشل. ويستشهد بتصريح ساخر لترامب قال فيه: “إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق، فسأحمّل جيه دي فانس المسؤولية. وإذا تم التوصل إليه، فسأنسب الفضل كاملًا لنفسي”.
ويعكس هذا التصريح، وفق ساجدبور، طبيعة المقاربة السياسية التي يتبناها ترامب في إدارة الأزمات. فهي تقوم على حسابات المكسب والخسارة الشخصية بقدر ما ترتبط بالمصالح الاستراتيجية. كما تكشف عن محاولة لتوزيع المخاطر السياسية داخل الإدارة.
تفضيلات إيران
يوضح ساجدبور أن طهران تفضّل التفاوض مع جيه دي فانس مقارنة ببقية الشخصيات الأمريكية المؤثرة. ويرجع ذلك إلى اعتباره الصوت الأكثر ميلاً لرفض الحرب داخل تيار “ماغا”. كما يُنظر إليه على أنه أقل تعاطفاً مع إسرائيل مقارنة بشخصيات مثل ويتكوف أو كوشنر.
ويضيف أن فانس يمتلك حافزاً سياسياً قوياً لإنهاء النزاع، نظراً لطموحاته الرئاسية المستقبلية. فنجاحه في تحقيق اتفاق قد يعزز موقعه السياسي بشكل كبير. كما أن التوصل إلى اتفاق خلال فترة صعوده قد يدفعه للالتزام به إذا أصبح رئيساً.
ويرى ساجدبور أن هذا التفضيل يعكس قراءة إيرانية دقيقة للمشهد السياسي الأمريكي. إذ تسعى طهران للتعامل مع الشخصيات التي قد تقدم لها مكاسب استراتيجية أكبر. وهو ما يعزز من قدرتها على المناورة داخل مسار التفاوض.
شعور الانتصار
يؤكد ساجدبور أن تقييم نتائج الحرب لا يمكن أن يتم على المدى القصير، بل يحتاج إلى سنوات وربما عقود. ومع ذلك، تشعر الجمهورية الإسلامية في الوقت الراهن بأنها خرجت منتصرة نسبياً من المواجهة. ويستند هذا الشعور إلى التحول في الرواية الإعلامية العالمية.
فقبل أشهر قليلة، كانت التغطية الدولية تركز على قضايا داخلية إيرانية، مثل تعامل النظام مع شعبه. أما اليوم، فقد تحولت الرواية إلى إبراز قدرة طهران على الصمود في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل. ويعكس ذلك تغيراً في الصورة الذهنية على المستوى الدولي.
ويرى ساجدبور أن هذا التحول يمنح إيران زخماً سياسياً ومعنوياً في المفاوضات. كما يعزز من قدرتها على فرض شروطها بشكل أكبر. وهو ما قد ينعكس على مسار التفاوض في المرحلة المقبلة.
سلاح هرمز
يشير ساجدبور إلى أن إيران اكتشفت خلال الحرب أن سلاحها الأكثر فعالية ليس البرنامج النووي، بل القدرة على التأثير في مضيق هرمز. فبدلاً من استخدام تخصيب اليورانيوم كورقة ضغط، باتت طهران تعتمد على التهديد بإغلاق المضيق. ويعد هذا التحول نقطة مفصلية في استراتيجيتها.
ويضيف أن هذا التغيير انعكس بشكل واضح على الموقف الأمريكي. فقبل الحرب، كان ترامب يطالب إيران بـ"استسلام كامل". أما الآن، فقد أصبح يسعى إلى تعاونها لضمان بقاء المضيق مفتوحاً. ويظهر ذلك حجم التأثير الذي تمتلكه هذه الورقة.
ويرى ساجدبور أن الابتزاز الاقتصادي عبر هرمز يمنح إيران قوة تفاوضية أكبر. كما يجبر الأطراف الأخرى على إعادة حساباتها بشكل مستمر. وهو ما يجعل هذا العامل محورياً في أي اتفاق مستقبلي.
فجوة المطالب
يؤكد ساجدبور أنه لا يوجد أي تقاطع حقيقي بين المطالب الأمريكية والإيرانية في الوقت الراهن. فكل طرف يتمسك بشروطه الأساسية دون تقديم تنازلات جوهرية. ويجعل ذلك الوصول إلى اتفاق شامل أمراً بالغ الصعوبة.
ويضيف أن أفضل نتيجة ممكنة على المدى القريب لا تتمثل في استسلام أحد الطرفين أو التوصل إلى حل نهائي. بل تكمن في تمديد وقف إطلاق النار بشكل تدريجي. إلى جانب العودة من حالة الصراع الساخن إلى صراع بارد أقل حدة.
ويرى أن هذا السيناريو يعكس واقعية سياسية في التعامل مع الأزمة. كما يمنح الأطراف وقتاً لإعادة ترتيب أوراقها. وهو ما قد يمهد لاحقاً لاتفاق أكثر شمولاً.
تشدد متزايد
يشير ساجدبور إلى أن الحرب أدت إلى تقليص القدرات العسكرية لإيران بشكل كبير. لكنها في المقابل عززت من تشدد مواقفها السياسية. ويعكس ذلك مفارقة واضحة بين الضعف المادي والتصلب السياسي.
ويضيف أن الإيرانيين يُصوَّرون غالباً كمفاوضين بارعين، لكن التمسك بمواقف متشددة قد يكون أسهل عندما لا تُؤخذ التداعيات الداخلية بعين الاعتبار. فالتكلفة التي يتحملها السكان لا تنعكس دائماً على قرارات النخبة الحاكمة. وهو ما يفسر استمرار هذا النهج.
ويرى ساجدبور أن هذا التشدد قد يعقّد مسار التفاوض بشكل أكبر. كما قد يؤدي إلى إطالة أمد الأزمة. وهو ما يزيد من الضغوط على جميع الأطراف.
مأزق فانس
يختتم ساجدبور تحليله بالإشارة إلى أن المعضلة التي واجهت ترمب انتقلت الآن إلى جيه دي فانس. فكل الخيارات المتاحة أمامه تحمل مخاطر سياسية. إذ إن التوصل إلى اتفاق سيئ قد يضر بمستقبله، وعدم التوصل إلى اتفاق قد يكون أكثر ضرراً.
ويضيف أن الاتفاق الجيد هو الخيار الوحيد الذي قد يمنحه مكسباً سياسياً حقيقياً. لكن المشكلة تكمن في أن إيران تطالب الآن بشروط أكبر مما كانت تطالب به قبل الحرب. في المقابل، لا تستطيع الولايات المتحدة تقديم تنازلات كبيرة دون تحمل كلفة سياسية.
ويرى ساجدبور أن هذا التوازن المعقد يجعل مهمة فانس شديدة الصعوبة. كما يضع مستقبل التفاوض في دائرة عدم اليقين. وهو ما يفتح الباب أمام سيناريوهات متعددة في المرحلة المقبلة.










