أدى الدمار الواسع والمنهجي الذي لحق بالبنية التحتية في قطاع غزة خلال الحرب المستمرة إلى انهيار شبه كامل في منظومة النقل والمواصلات الرسمية والتقليدية، ما أحدث فجوة هائلة في قدرة السكان على الحركة والتنقل بين المدن والمخيمات.
وكشفت دراسة تحليلية حديثة صادرة عن المركز الفلسطيني للدراسات السياسية في أبريل 2026، أن تدمير الطرق الحيوية واستهداف المركبات المدنية، بالإضافة إلى النقص الحاد والمستمر في إمدادات الوقود والزيوت، تسبب في شلل واسع النطاق طال كافة وسائل النقل العام والخاص، مما أدى إلى تراجع غير مسبوق في القدرة التشغيلية لهذا القطاع الحيوي.
وأوضحت الدراسة أن التنقل اليومي للفلسطينيين بات مرهوناً بمشقة بدنية كبيرة وتكاليف مالية مرتفعة تفوق قدراتهم الشرائية، في ظل مخاطر أمنية متزايدة تفرضها حالة الطرق المحطمة التي غابت عنها أدنى معايير السلامة المرورية نتيجة القصف المتواصل.
بزوغ "اقتصاد الحركة" البديل: العربات اليدوية والدواب تتصدر مشهد التنقل في غزة
أكدت الدراسة التحليلية أن هذا الانهيار الشامل لمنظومة النقل لم يوقف نبض الحياة في القطاع، بل أفرز ما وصفته بـ "اقتصاد حركة" بديل ومبتكر يعتمد على وسائل نقل بسيطة وغير منظمة للالتفاف على العوائق الميدانية.
وأصبح الاعتماد اليوم كلياً على العربات اليدوية والمجرورة، والدراجات الهوائية، وعربات تجرها الحيوانات (الكاروهات)، إضافة إلى الانتشار الواسع لمركبات "التوك توك" والشاحنات الكبيرة التي جرى تحويلها قسرياً لاستخدامها في النقل الجماعي للنازحين والمواطنين.
هذه الوسائل، رغم بدائيتها، أصبحت هي المشغل الفعلي الوحيد للأنشطة الاقتصادية والاجتماعية المتبقية، حيث يقوم السكان بمواءمة احتياجاتهم اليومية مع المتاح من هذه الأدوات لتأمين نقل المياه والسلع الغذائية الأساسية بين مراكز الإيواء والمناطق السكنية المدمرة.
تحولات اقتصادية واجتماعية: ظهور مهن جديدة وتفاقم الأعباء المعيشية على النازحين
لم تقتصر التحولات الناتجة عن انهيار قطاع النقل على الجانب الخدمي البحت، بل امتدت لتطال البنية الاقتصادية والاجتماعية العميقة في قطاع غزة. فقد أشارت الدراسة إلى ظهور مهن جديدة مرتبطة بصيانة وتشغيل وسائل النقل البديلة، مثل ورش إصلاح الدراجات الهوائية وعربات الدواب، وتجارة قطع الغيار البدائية.
وفي المقابل، تسبب هذا التحول في ارتفاع فاحش في تكاليف التنقل، حيث استغل نقص الوقود والزيوت لرفع تسعيرة الحركة بشكل جعل الوصول إلى المستشفيات أو الأسواق عبئاً مالياً ثقيلاً يضاف إلى قائمة المعاناة اليومية.
هذا الارتفاع الكبير عمق الفجوات الاجتماعية، حيث بات الحصول على الخدمات الأساسية مرتبطاً بشكل وثيق بقدرة الفرد على تحمل تكاليف الحركة، مما زاد من عزلة الفئات الأكثر فقراً وتهميشاً داخل القطاع المحاصر.
النقل كعنصر حاسم في توزيع المساعدات: معضلة الوصول في ظل أزمة السيولة الحادة
اعتبرت الدراسة أن قطاع النقل أصبح عنصراً حاسماً ومصيرياً في عملية توزيع الغذاء والمساعدات الإنسانية الدولية والمحلية. ففي ظل الانهيار اللوجستي، بات الحصول على الاحتياجات الإغاثية الأساسية مرتبطاً بقدرة الأفراد والجمعيات على تأمين وسائل نقل، وهو أمر يواجه عقبات جمة بسبب أزمة السيولة النقدية الحادة التي تضرب غزة، والارتفاع الملحوظ في أسعار الوقود في السوق السوداء.
وأشارت الدراسة إلى أن الكثير من المساعدات تظل عالقة في المستودعات أو في نقاط توزيع بعيدة نتيجة عجز المستفيدين عن توفير تكلفة "المشوار" للوصول إليها، مما يفاقم من أزمة انعدام الأمن الغذائي ويحول دون وصول الدعم لمستحقيه في المناطق الأكثر تضرراً، وهو ما يستدعي تدخلات إغاثية تركز على "تأمين الحركة" كجزء لا يتجزأ من العملية الإغاثية الشاملة.
نموذج التكيف القسري: ابتكار مجتمعي هش في غياب البنية التحتية الآمنة
خلصت دراسة المركز الفلسطيني للدراسات السياسية إلى أن الواقع الحالي للنقل في غزة يمثل نموذجاً قسرياً للتكيف المجتمعي في ظل الانهيار الشامل، وهو ما يعكس قدرة الفلسطينيين الاستثنائية على الابتكار واجتراح الحلول من قلب المعاناة.
ومع ذلك، حذر الباحثون من أن هذا الواقع يظل هشاً وخطراً للغاية؛ حيث تفتقر وسائل النقل البديلة لأدنى شروط الأمان، مما يتسبب في حوادث يومية وإصابات بين المواطنين نتيجة الاكتظاظ أو تهالك العربات المجرورة.
كما أن غياب البنية التحتية الطرقية القادرة على ضمان حركة عادلة للجميع يجعل من هذه الابتكارات مجرد حلول ترقيعية لمواجهة الموت، ولا ترقى لتكون بديلاً عن منظومة نقل حديثة ومنظمة تضمن حق الإنسان الفلسطيني في التنقل بحرية وكرامة.
دعوات للتدخل العاجل: إعادة إعمار قطاع النقل كشرط أساسي للتعافي الإنساني
في ختام تحليلها، دعت الدراسة المجتمع الدولي والمؤسسات الأممية إلى ضرورة التدخل العاجل لإعادة تنظيم قطاع النقل والمواصلات في غزة ضمن خطة شاملة وطارئة لإعادة الإعمار.
وشددت على أن استعادة الحق في التنقل يجب أن تكون في صدارة أولويات الجهات المانحة، ليس فقط كخدمة لوجستية، بل كجزء أساسي من عملية التعافي الإنساني والاقتصادي والنفسي للسكان.
إن إعادة رصف الطرق الحيوية، وتأمين دخول المركبات التجارية والعمومية، وتوفير إمدادات الوقود بأسعار مدعومة، هي خطوات لا تحتمل التأجيل لضمان كسر حلقة العزلة المفروضة على أحياء القطاع، ولتسهيل عودة الحياة التعليمية والصحية إلى طبيعتها في غزة، بما يضمن صيانة كرامة الإنسان الفلسطيني وحقه في الوصول الآمن إلى كافة مقومات حياته.










